النهار

١٣ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ أغسطس-٢٠٢٦       1375

بقلم _ علي بن عيضه المالكي

حين تناول  فيكتور فرانكل  معنى الوجود (أحد أشهر الأطباء النفسيين الذين نجوا بأعجوبة من معسكرات النازية إبان الحرب العالمية الثانية وأسس بعد نجاته أحد أبرز مراكز العلاج بالمعنى الذي يركز على أن الدافع الأساسي للإنسان هو البحث عن معنى لحياته) أقول حين تناول معنى الوجود لم يبحث عن إجابة نظرية لسؤال فلسفي قديم، وإنما اقترب من سؤال أكثر التصاقًا بالإنسان: ما الذي يمنح الحياة معناها حين تتبدل الظروف، وتسقط من يد الإنسان أشياء ظن أنها تمنحه الأمان؟

من هذا السؤال انطلقت فلسفة فرانكل، فجعلت المعنى نقطة ارتكاز في حياة الإنسان. فالإنسان يحتاج إلى أكثر من المال والمكانة والراحة حتى يشعر بالاستقرار؛ يحتاج إلى سبب يمنح أيامه اتجاهًا، وعمله قيمة، وعلاقاته عمقًا، ومعاناته قدرة على الاحتمال.

يرى فرانكل أن الإنسان يستطيع أن يكتشف معنى وجوده عبر ثلاثة مسارات رئيسية: العمل والإنجاز، والحب والتجربة، والموقف من المعاناة. وتكشف هذه المسارات عن ثلاث دوائر متكاملة لصناعة الاستقرار الإنساني؛ فالاستقرار يبدأ من علاقة الإنسان بما ينجزه، ثم يمتد عبر علاقته بالآخرين، ويظهر عمقه حين يقف أمام ما يعجز عن تغييره.

في المسار الأول، يحتل العمل والإنجاز موقعًا أساسيًا في بناء الإحساس بالقيمة. حين يعمل الإنسان ويبدع وينجز، يشعر أن لوجوده أثرًا، وأن جهده يضيف شيئًا إلى الحياة. هنا يتجاوز العمل معنى الوظيفة التي توفر الدخل، ليصبح مساحة يكتشف فيها الإنسان قدرته، ويمارس مسؤوليته، ويرى ثمرة عطائه.

ولهذا يتصل الاستقرار بالإنجاز اتصالاً عميقًا. فالإنسان الذي يعرف دوره، ويؤمن بقيمة ما يقدم، يبني علاقة أكثر اتزانًا مع ذاته. قد تتغير الوظائف والمواقع، وقد تتبدل الظروف المهنية، غير أن إحساس الإنسان بقدرته على العطاء يظل مصدرًا أصيلاً للثقة بالنفس.

ثم يأتي الحب والتجربة ليمنحا الوجود بعدًا آخر. فالإنسان لا يجد اكتماله في دائرة الإنجاز وحدها؛ يحتاج إلى علاقة إنسانية تمنحه القرب والانتماء، ويحتاج إلى تجارب تفتح أمامه أبواب الجمال والمعرفة والتأمل.

إذن فإن الحب عند فرانكل يتجاوز العاطفة التي تخبو مع تبدل الظروف ؛ إنه طريقة يرى الإنسان من خلالها قيمة الآخر وعمقه وإمكاناته. وحين يحب الإنسان، يتجاوز حدود ذاته إلى مساحة المشاركة والاحتواء والانتماء. ومن هنا يصبح الحب أحد منابع المعنى؛ لأنه يمنح الحياة بعدًا إنسانيًا يتجاوز المنفعة والمصلحة.

أما التجربة فتفتح أمام الإنسان نافذة أخرى على المعنى؛ من خلال الجمال، والطبيعة، والفن، والصداقة، واللحظات التي تمنح الروح فسحة للتأمل. وقد تختصر لحظة واحدة تجربة إنسانية كاملة، وتترك في الذاكرة أثرًا يمتد سنوات؛ لأنها تذكّر الإنسان بأن الحياة أوسع من مشكلاته اليومية.

ثم يصل فرانكل إلى المسار الأكثر حساسية: الموقف من المعاناة. فيستطيع الإنسان تغيير بعض ظروفه، وقد يعجز عن تغيير ظروف أخرى. حين يملك القدرة على التغيير، يصبح الفعل مسؤولية، وحين تضيق قدرته على تغيير الواقع، تبقى له مساحة داخلية يختار فيها موقفه منه.

هنا يظهر المعنى في صورته الأكثر نضجًا. فقد تسلب المعاناة الإنسان أشياء كثيرة، لكنها لا تنتزع بالضرورة قدرته على اختيار الطريقة التي يقف بها أمامها. يستطيع أن يحول التجربة المؤلمة إلى معرفة، والخسارة إلى مراجعة، والانكسار إلى نضج، والانتظار إلى فرصة لإعادة اكتشاف الذات.

وهذا لا يعني أن فرانكل يمنح المعاناة قيمة في ذاتها، وإنما يرى أن الإنسان يستطيع أن يستخرج من تجربته المؤلمة معنى يضيف إلى وعيه ونضجه، حين يتعامل معها بوصفها جزءًا من رحلته الإنسانية.

من هنا نستطيع فهم الاستقرار عند فرانكل بصورة مختلفة. فالاستقرار عنده لا يعني حياة تختفي منها المشكلات، ولا يعني بلوغ الإنسان مرحلة تتوقف عندها حركة الظروف. الاستقرار أعمق من ذلك؛ إنه قدرة الإنسان على الاحتفاظ بتوازنه الداخلي بينما تتغير الأشياء من حوله.

فالعمل يمنح الإنسان دورًا، والحب يمنحه انتماءً، والموقف من المعاناة يمنحه صمودًا.

وحين تتكامل هذه الأبعاد، يصبح الإنسان أكثر قدرة على مواجهة التحولات؛ لأنه لا يربط معنى حياته بمصدر واحد قد يفقده. قد يتعثر في عمله، فيجد في علاقاته ما يسنده. وقد يخسر علاقة عزيزة، فيعيد اكتشاف ذاته من خلال عمله ومسؤوليته. وقد يمر بمعاناة قاسية، فيستند إلى معنى أعمق من الألم نفسه.

وهنا تكمن قوة فلسفة فرانكل: المعنى لا يلغي الألم، لكنه يمنح الإنسان سببًا لمواجهته. والمعنى لا يمنع الخسارة، لكنه يمنع الخسارة من اختزال الإنسان في لحظة واحدة. والمعنى لا يضمن حياة مستقرة، لكنه يمنح الإنسان قدرة أكبر على صناعة الاستقرار من الداخل.

فالإنسان حين يعرف لماذا يعيش، يصبح أكثر قدرة على تحمل ما يمر به. وحين يعرف قيمة عمله، يصبح الإنجاز جزءًا من هويته. وحين يجد من يحب ويشعر بالانتماء، تصبح الحياة أكثر دفئًا. وحين يواجه ما يعجز عن تغييره بموقف واعٍ، يستخرج من المعاناة درسًا جديدًا، ويفتح لنفسه طريقًا آخر نحو النضج.

لهذا يمكن اختصار وجودية المعنى عند فرانكل في ثلاث كلمات: أنجز، وانتمِ، واصمد.

أنجز ما يمنح وجودك قيمة، وانتمِ إلى علاقات تمنح حياتك دفئًا، واصمد أمام ما يتجاوز قدرتك على التغيير.

وعند هذه النقطة تبدأ خلاصة التجربة: المعنى لا ينتظر الإنسان في نهاية الطريق، وإنما يصنع الإنسان معناه في الطريق نفسه. قد تتغير الأهداف، وقد تتبدل العلاقات، وقد تتعثر الخطوات، لكن الإنسان يستطيع في كل مرحلة أن يسأل نفسه: ما القيمة التي أستطيع أن أضيفها؟ ومن الذي أستطيع أن أحبه؟ وما الموقف الذي يليق بي أمام ما لا أستطيع تغييره؟

حين يجد الإنسان إجابة صادقة عن هذه الأسئلة، يبدأ الاستقرار الحقيقي. يصبح العمل امتدادًا لقيمته، ويصبح الحب امتدادًا لإنسانيته، وتصبح المعاناة مجالًا لاختبار قوته الداخلية ونضجه.

وهكذا تختصر فلسفة فرانكل رحلة الإنسان في بحث دائم عن سبب يمنح وجوده قيمة: أن يعمل لما يستحق، وأن يحب ما يمنح الحياة دفئها، وأن يواجه الألم بما يحفظ كرامته ومعناه.

فالإنسان قد يفقد أشياء كثيرة في طريقه، وقد تغير الحياة بعض خططه، وقد تأخذه إلى طرق لم يخترها، لكنه يستطيع أن يحتفظ بالسؤال الأهم: ماذا أستطيع أن أصنع من هذه الحياة؟

وعندما يجد الإجابة، يتحول وجوده من مجرد عبور للأيام إلى رحلة تحمل غاية، وعمل يحمل قيمة، وعلاقات تحمل معنى، ومعاناة تصنع نضجًا.

وهنا يكمن الاستقرار الذي نستطيع أن نستخلصه من تجربة فرانكل: أن تستقيم البوصلة الداخلية، حتى حين تتغير الطرق من حول الإنسان.