النهار

١٠ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ أغسطس-٢٠٢٦       1485

بقلم : د فايز الاحمري 

في لحظة إقليمية تتسارع فيها التحولات، وتتداخل فيها التحديات، وتتطلب فيها حماية الأمن مزيدًا من التنسيق والتكامل، جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية ، والجمهورية التركية ، والجمهورية الإسلامية الباكستانية لتتجاوز حدود الوثيقة الدفاعية إلى دلالات أوسع ترتبط بوحدة الإرادة، وتكامل القدرات، وبناء منظومة أكثر رسوخًا للأمن والاستقرار.

فالاتفاقية لا تُقرأ فقط من خلال بنودها ومضامينها المباشرة، وإنما من خلال ما تحمله من رسائل سياسية واستراتيجية ورمزية؛ رسائل تؤكد أن مواجهة المتغيرات الكبرى تحتاج إلى إرادات متقاربة، وأن الأمن في عالم اليوم لم يعد مسؤولية منفردة، بل أصبح نتاج تعاون وشراكات قادرة على حماية المصالح المشتركة ، وصون مقدرات الشعوب.

في مكة المكرمة، حيث تتجه القلوب إلى قبلة واحدة، وحيث يختزل المكان في ذاكرة المسلمين معنى الوحدة والاعتصام، جاءت هذه الاتفاقية في توقيت بالغ الدلالة، لتقدم صورة جديدة لمعنى التضامن الاستراتيجي، وتؤكد أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُصان بإرادات متفرقة، وإنما بتكامل المواقف، وتساند القدرات، ووحدة الرؤية تجاه التحديات التي تحيط بها.

ولعل القيمة الأعمق لاتفاقية مكة لا تكمن في نصوصها فحسب، بل في مجموع الدلالات التي تحملها؛ فهي اتفاقية تجمع بين رمزية المكان، وأهمية التوقيت، وثقل الأطراف، ووضوح الهدف ، فاختيار مكة المكرمة مكانًا للتوقيع يمنحها بعدًا معنويًا يتجاوز الجغرافيا، إذ إن مكة تمثل في وجدان المسلمين رمز الوحدة والالتقاء، ومنها تنطلق رسالة مفادها أن المصالح المشتركة حين تجتمع مع الإرادة الصادقة يمكن أن تتحول إلى قوة قادرة على حماية الأمن ، وترسيخ الاستقرار.

كما أن اجتماع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي مشترك يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، حيث تتعدد مصادر التهديد، وتتسع دوائر التأثير، وتصبح الحاجة إلى التنسيق والتعاون أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

فالمملكة العربية السعودية بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي، وتركيا بما تمتلكه من خبرات وقدرات متقدمة في المجالات الدفاعية والصناعات العسكرية، وباكستان بما تتمتع به من خبرة عسكرية وقدرات دفاعية راسخة، تشكل معًا منظومة تحمل مقومات التكامل، وتفتح آفاقًا واسعة للتعاون في سبيل تعزيز الأمن ، وحماية المصالح المشتركة.

إن مفهوم الدفاع المشترك الذي تقوم عليه الاتفاقية يحمل في جوهره رسالة ردع قبل أن يكون رسالة مواجهة؛ فالهدف من امتلاك القدرة ليس الدخول في الصراعات، وإنما منع نشوبها، وليس البحث عن التوتر، وإنما حماية الاستقرار. فكلما ازدادت الدول قدرة على التنسيق، وتبادل الخبرات، وتطوير الجاهزية، أصبحت أكثر قدرة على حماية أمنها، وأكثر إسهامًا في بناء بيئة إقليمية يسودها الاستقرار.

والقوة في عالم اليوم لم تعد تقاس فقط بما تمتلكه الدول منفردة، بل بما تستطيع أن تصنعه عندما تتكامل قدراتها ، وتتلاقى إراداتها.

 فالدول قد تمتلك عناصر قوة كبيرة، لكن القيمة الحقيقية تظهر حين تتحول تلك العناصر إلى عمل مشترك، ورؤية موحدة، وموقف قادر على التعامل مع التحديات بوعي وحكمة.

ومن هنا فإن الأبعاد الضمنية لاتفاقية مكة تتجاوز الجانب الدفاعي المباشر، لتصل إلى بناء مفهوم أوسع للأمن الجماعي؛ أمن يقوم على الشراكة، والتنسيق، واستشراف المستقبل، وتعزيز القدرة على مواجهة الأطماع التي تستهدف أمن المنطقة واستقرارها.

فالتاريخ يثبت أن الفرص تجد طريقها غالبًا إلى البيئات التي يسودها التفرق، وأن الأطماع تنشط حين تغيب وحدة الموقف ، أما الدول التي تتكاتف ، وتتعاون ، وتدرك أن أمنها مترابط، فإنها تمتلك قدرة أكبر على حماية مكتسباتها، وصون مقدراتها، والتعامل مع التحولات من موقع القوة والثقة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري للشعوب؛ فالاتفاقيات مهما بلغت أهميتها تحتاج إلى وعي مجتمعي يدرك أن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن المحافظة على الاستقرار ليست مهمة المؤسسات الرسمية٦ وحدها، بل هي مسؤولية وطنية يشارك فيها الجميع.

إن التفاف الشعوب حول قياداتها، وثقتها بحكمة قراراتها، ووعيها بحجم التحديات المحيطة بها، يمثل رصيدًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي عنصر من عناصر القوة. فالدولة التي تتكامل فيها القيادة والشعب والمؤسسات تصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر صلابة أمام محاولات زعزعة أمنها واستقرارها.

ومن هنا، فإن اتفاقية مكة للدفاع المشترك يمكن قراءتها باعتبارها رسالة متعددة الأبعاد؛ رسالة تؤكد أن وحدة الصف ليست مجرد قيمة معنوية، بل قوة سياسية واستراتيجية، وأن التعاون بين الدول ذات المصالح المشتركة هو أحد أهم أدوات حماية الأمن وصناعة المستقبل.

وختاماً فإن المنطقة التي تتوحد في حماية أمنها ، وتتكامل في مواجهة تحدياتها، وتلتف شعوبها حول قياداتها ، تكون أقدر على صناعة السلام، وأقوى في ردع الأطماع، وأمضى عزيمة في حماية حاضرها ، وبناء مستقبلها.