النهار

١٣ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ أغسطس-٢٠٢٦       2090

بقلم ـ عبد الناصر بن علي الكرت

لم تعد تحركات  الميليشيات  العراقية المرتبطة بإيران مجرد شأن داخلي عراقي، ولا مجرد اختلاف في المواقف السياسية، فقد تجاوزت ذلك إلى تهديد أمن المنطقة واستهداف المملكة العربية السعودية، بما يؤكد أن هناك من يريد تحويل أرض العراق إلى منصة لتنفيذ أجندات لا تخدم العراق ولا العرب، وإنما تخدم مشروعاً إقليمياً عابراً للحدود.

وحين تنطلق المسيّرات من أرض عربية لاستهداف منشآت اقتصادية في دولة عربية شقيقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: لمن يكون الولاء، ولمن يكون القرار؟ وأي مصلحة وطنية تتحقق حين تتحول أرض الدولة إلى ساحة لصراع الآخرين؟

والحقّ أن أخطر ما فعلته هذه  الميليشيات  بالعراق أنها أضعفت هيبة الدولة ووحدة قرارها، وأوجدت مراكز قوة تنازع مؤسساتها اختصاصاتها، حتى أصبح العراق -ذلك البلد العربي العريق الذي كان يوماً من أهم مراكز القوة والتأثير في المنطقة- يعاني من تبعات السلاح الخارج عن سلطة الدولة.

لكن من المهم أن نقولها بوضوح: العراق ليس ميليشيا، والشعب العراقي ليس مسؤولاً عن أفعالها. فالعراق أكبر من أن يُختزل في جماعة مسلحة، وأعرق من أن يكون تابعاً لمشروع غير عربي، وأحق بأن يستعيد دولته وسيادته ودوره العربي.

 

واللافت أن تحركات هذه الأذرع تأتي في سياق إقليمي متشابه، فكما أنهكت ميليشيات الحوثي اليمن وأضعفت مؤسساته، تسهم  الميليشيات  المرتبطة بإيران في العراق في استنزاف الدولة وإرباك محيطها، وكأن المطلوب أن تبقى المنطقة العربية غارقة في أزمات لا تنتهي.

أما المملكة العربية السعودية بقيادتها الرشيدة، فقد اختارت منذ البداية طريق الحكمة والاتزان، فلا تستدرجها الاستفزازات إلى ردود فعل متهورة، ولا يدفعها امتلاك القوة إلى استخدامها بلا حساب. وهي تدرك أن ضبط النفس قوة والحلم حكمة والدبلوماسية ليست ضعفاً.

لكن على من يسيء قراءة هذا الهدوء أن يدرك أن للصبر حدوداً، وأن المملكة حين يتعلق الأمر بأمنها وسيادتها ومصالحها الوطنية لا تساوم ولا تتردد.

السعودية لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تخشاها إذا فُرضت عليها، ولا تبدأ المواجهة، لكنها تعرف كيف تنهيها.

ولهذا فإن الرسالة السعودية لا تحتاج إلى كثير من الضجيج: اتركوا المنطقة لشعوبها، واحترموا سيادة الدول، وكفّوا عن استخدام الأرض العربية منصةً للاعتداء على الأشقاء.

فمن يراهن على أن حلم المملكة ضعف، أو أن هدوءها عجز، فقد أخطأ قراءة التاريخ.

فالسعودية تعرف متى تصمت ومتى تحذر ومتى تتحرك، وإذا تحركت، فإنها لا تتحرك بانفعال، وإنما بحسابات دولة عظيمة تعرف قدرها وتعرف أهدافها وتعرف كيف تحميها.

واسألوا التاريخ، ففي سجلاته إجابات كثيرة، فبعض الإجابات لا تأتي بالكلمات.