النهار
بقلم- د. عبدالرحمن بن دحام السفان
ليس كل ما هو حلو عدوًا للأسنان، لكن طريقة تناولنا له قد تصنع الفارق.
في المملكة العربية السعودية، لا يحتاج التمر إلى تعريف. هو أكثر من ثمرة على مائدة، هو جزء من الضيافة، ورفيق القهوة، وحاضر في تفاصيل الحياة اليومية. وبين النخلة والإنسان السعودي علاقة تتجاوز الغذاء إلى الثقافة والذاكرة والموروث، حتى أصبح حضور التمر في البيوت والمجالس أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى مناسبة.
لكن عندما نقترب من التمر من زاوية صحة الفم والأسنان، يظهر سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يستحق إجابة علمية دقيقة:
هل حلاوة التمر تعني أنه يضر الأسنان؟
الإجابة ليست:/ (نعم) ولا (لا) بشكل مطلق.
فالعلاقة بين الغذاء وتسوس الأسنان أكثر تعقيدًا من أن نحمل طعامًا واحدًا مسؤولية مرض متعدد العوامل. يحدث تسوس الأسنان نتيجة تفاعل مستمر بين الأسنان واللويحة السنية والسكريات، إلى جانب عوامل وقائية مهمة، في مقدمتها الفلورايد ونظافة الفم.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن السكريات الحرة من أهم عوامل خطر تسوس الأسنان، وأن تقليل استهلاكها جزء أساسي من الوقاية. كما تشير الأدلة إلى أن خطر التسوس لا يرتبط بالطعام وحده، وإنما يتأثر بكمية السكريات وتكرار تناولها، إلى جانب نظافة الفم والتعرض للفلورايد وعوامل أخرى مرتبطة بصحة الفم.
ماذا يحدث للأسنان بعد تناول السكريات؟
بعد تناول الأطعمة التي تحتوي على السكريات، تستطيع البكتيريا الموجودة في اللويحة السنية استقلاب هذه السكريات وإنتاج أحماض. ومع تكرار انخفاض درجة الحموضة حول الأسنان، يمكن أن تبدأ عملية فقدان المعادن من مينا الأسنان، وإذا استمر اختلال التوازن بين فقدان المعادن واستعادتها، قد يتطور الأمر إلى تسوس.
وهنا تكمن أهمية فهم النمط الغذائي، وليس التركيز على اسم الطعام فقط.
فالكمية التي نتناولها مهمة، لكن تكرار التعرض للسكريات خلال اليوم مهم أيضًا. فهناك فرق بين تناول كمية من الطعام المحتوي على السكر ضمن وجبة، وبين تناول كميات صغيرة من السكريات بصورة متكررة طوال اليوم.
وأين يقع التمر في هذه الصورة؟ التمر فاكهة كاملة تحتوي إلى جانب السكريات على الألياف ومكونات غذائية أخرى، لكنه في الوقت نفسه غني بالسكريات الطبيعية، وتزداد كثافة هذه السكريات مع نضج الثمرة وفقدانها جزءًا من محتواها المائي.
وهذه المعلومة مهمة، لكنها لا تعني أن التمر يجب أن يوضع في خانة الأطعمة الضارة بالأسنان. فصحة الأسنان لا تُحكم من خلال وجود السكر في طعام واحد، وإنما من خلال الصورة الكاملة: كمية ما نتناوله، وعدد مرات تناوله، وكيفية العناية بالفم بعد ذلك.
كما أن بعض أنواع التمر قد تكون أكثر ليونة أو لزوجة من غيرها، ما قد يجعل بعض بقايا الطعام تلتصق بسطح الأسنان لفترة أطول. لكن هذا لا يعني أن التمر يختلف جذريًا عن غيره من الأطعمة المحتوية على السكريات من حيث المبدأ الوقائي.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل التمر يسبب التسوس؟
بل: كيف نتناول التمر بطريقة تحافظ على متعتنا به، دون أن نهمل صحة أسناننا؟
المشكلة ليست في حبة واحدة، بل في العادة والتكرار
قد يتناول شخص عدة حبات من التمر مع وجبة الإفطار، ثم يشرب الماء ويكمل يومه مع المحافظة على نظافة فمه. وقد يتناول شخص آخر حبة تمر كل ساعة، مع القهوة أو المشروبات المحلاة، ويكرر ذلك طوال اليوم.
من الناحية السلوكية، هذان نمطان مختلفان.
ولهذا فإن السؤال الأكثر فائدة ليس فقط: هل أكلت تمرًا؟
بل: كم تناولت؟ وكم مرة؟ وماذا أتناول معه؟ وكيف أعتني بأسناني؟ إن تكرار التعرض للسكريات خلال اليوم يرتبط بزيادة فرص حدوث الظروف التي تساعد على تطور التسوس، ولذلك فإن تقليل مرات التعرض للسكريات جزء مهم من بناء نمط غذائي أكثر ملاءمة لصحة الفم. وتدعم المراجعات العلمية والأدلة الوبائية العلاقة بين استهلاك السكريات وخطر تسوس الأسنان.
لا نحتاج إلى الخوف من حبة التمر
من الأخطاء الشائعة في التوعية الصحية أن ننتقل بسرعة من عبارة: يحتوي على السكر إلى: إذن هو ضار.
التغذية الصحية لا تعمل بهذه الطريقة فالتمر ليس عدوًا للأسنان، كما أنه ليس طعامًا يمكن اعتباره واقيًا من التسوس لمجرد أن بعض مكوناته النباتية محل اهتمام الباحثين.
الماء، عادة بسيطة لكنها مفيدة
بعد تناول التمر، يمكن لشرب الماء أن يساعد على التخلص من جزء من بقايا الطعام والحفاظ على بيئة فموية أفضل.
لكن: الماء ليس بديلًا عن تنظيف الأسنان.
فالوقاية الفعالة من التسوس تعتمد على مجموعة من الممارسات، في مقدمتها تنظيف الأسنان بمعجون يحتوي على الفلورايد، والمحافظة على إزالة اللويحة السنية، وتقليل تناول السكريات الحرة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها الحديثة حول الوقاية من تسوس الأسنان وعلاجه أهمية الوقاية والتدخل المبكر والرعاية المحافظة، مع استخدام وسائل الوقاية المناسبة بحسب احتياج الفرد، ومن أهمها الفلورايد.
ولهذا تبقى القاعدة اليومية واضحة:
نظف أسنانك مرتين يوميًا على الأقل بمعجون أسنان يحتوي على الفلورايد، واهتم بتنظيف ما بين الأسنان، واشرب الماء، ولا تنتظر الألم حتى تزور طبيب الأسنان.
حين تكون الوقاية أذكى من المنع
ربما نحتاج في حياتنا اليومية إلى تجاوز فكرة هذا الطعام جيد وهذا الطعام سيئ.
فالتمر جزء من ثقافتنا وغذائنا، ولا توجد حاجة إلى تحويله إلى مصدر للخوف.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تجعلنا مكانته الثقافية نتجاهل تركيبته الغذائية أو نغفل عن أهمية العناية بالأسنان.
لا تحرم نفسك من التمر، لكن لا تجعل التمر، أو أي مصدر آخر للسكريات، رفيقًا متكررًا لأسنانك طوال اليوم. تناوله باعتدال، ويفضل أن يكون ضمن نمط غذائي متوازن، واشرب الماء، واعتنِ بأسنانك. وفي بلد ترتبط فيه النخلة بالذاكرة والضيافة والهوية، ليست الرسالة أن نبتعد عن التمر من أجل أسناننا. بل أن نعرف كيف نوازن بين متعة ما نحب وصحة ما نملك.