بقلم ـ مساعد السعدوني
كان المجلس يومًا مكانًا نذهب إليه لنرى بعضنا، فأصبحنا اليوم نجتمع فيه لننظر إلى هواتفنا.
مشهد يتكرر في البيوت والاستراحات والمقاهي؛ مجموعة من الأشخاص يجلسون حول طاولة واحدة، لكن كل واحد منهم يعيش في عالم آخر. هذا يتابع مقطعًا، وذاك يرد على رسالة، وثالث يتصفح أخبار أشخاص لا يعرفهم، بينما يجلس إلى جواره إنسان ربما لم يره منذ أسابيع.
لم تختفِ المجالس، لكن شيئًا من روحها اختفى.
كانت المجالس مدارس غير مكتوبة؛ يسمع فيها الصغير تجارب الكبير، ويتعلم منها أدب الحديث، وحسن الاستماع، واحترام الرأي. فيها تُروى القصص، وتنتقل الخبرات، وتُحل بعض الخلافات بكلمة، وتبدأ صداقات من حديث عابر.
أما اليوم، فقد أصبح الهاتف ضيفًا دائمًا، بل ربما أصبح أهم الحاضرين.
والمفارقة أننا نستخدم وسائل التواصل حتى نبقى قريبين من الآخرين، ثم نكتشف أنها أبعدتنا عمّن يجلسون أمامنا.
لسنا ضد التقنية؛ فهي اختصرت المسافات، وفتحت أبوابًا واسعة للمعرفة والتواصل، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من وسيلة في أيدينا إلى شيء يدير تفاصيل حياتنا دون أن نشعر.
أصبح الصمت في بعض المجالس لا يعني التأمل أو الراحة، بل يعني أن الجميع منشغل بشاشته.
والأكثر غرابة أننا قد نخرج من مجلس استمر ساعتين دون أن نعرف شيئًا جديدًا عن الشخص الذي كان يجلس بجوارنا، بينما نعرف في الوقت نفسه ماذا تناول شخص في مدينة أخرى، وأين سافر آخر، وماذا كتب ثالث.
نحن نعرف أخبار البعيد، ونجهل أحوال القريب.
وربما لا تحتاج استعادة جمال المجالس إلى قرارات كبيرة، بل إلى سلوك بسيط: أن نضع الهاتف جانبًا قليلًا، وأن نسأل من أمامنا سؤالًا حقيقيًا وننتظر إجابته، وأن نعيد للحديث قيمته، وللإنصات مكانته.
فالإنسان لا يتذكر بعد سنوات عدد المقاطع التي شاهدها، لكنه يتذكر مجلسًا ضحك فيه من قلبه، وحديثًا خفف عنه، وشخصًا شعر معه بأنه مسموع.
التقنية تستطيع أن تجمع الأرقام في مجموعة واحدة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الألفة.
والمجالس لا تموت حين يقل عدد الحاضرين؛ بل تموت حين يحضر الجميع بأجسادهم، وتغيب أرواحهم.
فليست قيمة المجلس في عدد من حضروه، بل في مقدار ما منحوه لبعضهم من حديث، وإنصات، وقرب.