النهار

٠٧ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ أغسطس-٢٠٢٦       1210

بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي

لا يترك القادة جميعهم الأثر نفسه؛ فمنهم من يغيّر المشهد، ومنهم من يغيّر طريقة النظر إلى المشهد. وبين الأمرين مسافةٌ لا تقاس بالإنجاز، بل بعمق الرؤية. فالإنجاز يُسجَّل في الوثائق، أما الرؤية فتسكن الوعي، وتبقى بعد أن يطوي الزمن أوراقه.

من هنا، لا تبدو تجربة صاحب السمو الملكي  الأمير  تركي بن طلال بن عبدالعزيز تجربة مسؤولٍ يدير منطقة، بل تجربة قائدٍ يحاور المكان حتى يفصح عن مكنونه. فالمكان لا يبوح بأسراره لمن يعبره، وإنما لمن يصغي إليه. وحين يُحسن القائد الإصغاء، تتحول الجغرافيا من حدودٍ مرسومة إلى طاقةٍ كامنة، ويتحوّل الإنسان من متلقٍ للتنمية إلى شريكٍ في صناعتها.

لهذا لم يكن الميدان عنده محطةً في جدول الأعمال، بل كان أول أبواب المعرفة. فالقرار الذي لا يبتلُّ بغبار الطريق، يبقى أسير الورق. أما حين تلتقي العين بالواقع، والواقع بالإنسان، والإنسان بالرؤية، فإن القرار لا يعود استجابةً للحظة، بل يصبح ترجمةً لفهمٍ عميق لما ينبغي أن يكون.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها لم تجعل الحسم نقيضًا للحكمة، ولا الحكمة عذرًا للتردد. فالقيادة ليست أن تختار بين الجرأة والاتزان، بل أن تجعل الجرأة ابنةً للحكمة، وأن تجعل الحكمة أمينةً على القرار. لذلك كانت قراراته تبدو لحظيةً في توقيتها، لكنها عميقةٌ في جذورها؛ لأن القرار السريع ليس الذي يولد في لحظة، بل الذي سبقته سنواتٌ من الرؤية.

وكان يدرك أن الزمن لا يحترم المترددين، كما لا يكافئ المتهورين. فالوقت لا يمنح فرصه لمن يطارده، وإنما لمن يقرأ إيقاعه. وهنا تتحول القيادة من إدارةٍ للأحداث إلى إدارةٍ للفرص، ومن متابعةٍ للواقع إلى صناعةٍ للمستقبل.

وفي هذه الفلسفة، لا تصبح التنمية سباقًا في تشييد الحجر، بل رحلةً في بناء الإنسان. فالحجر يُشيَّد مرة، أما الإنسان فيبني ما بعده مراتٍ لا تُحصى. ولذلك لا تُقاس قيمة المشروع بحجمه، بل بما يتركه من ثقة، وما يغرسه من انتماء، وما يوقظه من قدرةٍ على الحلم.

ولهذا، لا ينقش  الأمير  تركي بن طلال في عسير معالم عمرانية فحسب، بل ينقش أيقوناتٍ إنسانية؛ لأن الأوطان لا تُخلّد بما يرتفع في مدنها وحده، بل بما يرتفع في وجدان أهلها. فكل حجرٍ يحمل قيمة الإنسان يبقى، وكل حجرٍ يخلو من الإنسان يشيخ، وإن بدا جديدًا.

وحين يتأمل التاريخ مسيرة القادة، فإنه لا يسأل: كم قرارًا صُنع؟ بل يسأل: أيُّ إنسانٍ صنعته القرارات؟ فهناك تبدأ الحكاية الحقيقية، وهناك يُعرف الفرق بين قائدٍ أدار مرحلة، وقائدٍ غرس منهجًا.

وهكذا، يتحرّك  الأمير  بين السطور؛ لا لأن الكلمات أرادت أن تمنحه صورةً أكبر، بل لأن الفكرة التي يحملها أوسع من أن تختصرها صورة. فبعض الرجال لا تُعرّفهم مناصبهم، وإنما تُعرّفهم البصمة التي يتركونها في الإنسان، والمكان، والزمن. وتلك هي البصمة التي لا يطويها الخبر، ولا يبهت بريقها تعاقب الأعوام.