الكاتب :
التاريخ: ٠٧ أغسطس-٢٠٢٦       1980

بقلم ـ مبارك بن عوض الدوسري 

لا ترحل الشخصيات العظيمة حين يغيب أصحابها عن الدنيا، بل تبقى حاضرة في الذاكرة بما غرسته من قيم، وما تركته من أثر، وما صنعت من رجال؛ ومن هذا الصنف النادر كان رفيق الدرب القائد الكشفي  أحمد سعيد الغامدي  – رحمه الله – الذي انتقل إلى جوار ربه يوم الأربعاء 22 صفر 1448هـ، بعد رحلة طويلة من العطاء والإخلاص، ظل خلالها نموذجاً للقائد الكشفي الحقيقي الذي جعل من خدمة الآخرين رسالة حياة، ومن العمل التطوعي منهجاً لا يتغير؛ وبرحيله، لم تفقد الحركة الكشفية في المملكة مجرد قائد سابق لمركز التدريب الكشفي بالرياض، بل فقدت مدرسة كشفية متكاملة، وشخصية ملهمة، ومرجعاً معرفياً، وقائداً نذر حياته للكشفية حتى أصبحت تسري في دمه، وتنعكس في سلوكه، وحديثه، وعلاقاته، واهتماماته.

عرفت أبا سعيد عن قرب أعوام طويلة، فلم يكن ممن يكتفون بإصدار التوجيهات، بل كان يعيش تفاصيل العمل الكشفي بكل شغف، ويؤمن أن القائد الحقيقي هو من يصنع القادة من حوله؛ لذلك كان بيته، وقلبه، وهاتفه، وخبرته، مفتوحة لكل من يبحث عن المشورة أو يحتاج إلى رأي أو يواجه تحدياً في الميدان الكشفي؛ وكان – رحمه الله – من أكثر القيادات إيماناً بأن بناء الإنسان هو جوهر الرسالة الكشفية، ولذلك أولى شارات الهواية اهتماماً بالغاً، وكان يؤكد دائماً أن الشارة ليست قطعة قماش تزين الكم، وإنما وسيلة لبناء المعرفة، وصقل المهارة، وتوسيع مدارك الفتية والشباب، وتنمية شخصياتهم، وتعزيز قدرتهم على التواصل والعمل الجماعي، وغرس القيم الإيجابية في نفوسهم.

وحين نتصفح سجل إنجازاته، نجد بصماته واضحة في كثير من المحطات المضيئة للحركة الكشفية السعودية، فقد كان أحد أبرز القيادات التي عملت بإخلاص وتفانٍ خلال استضافة المملكة للمخيم الكشفي العربي الرابع والعشرين بالطائف عام 2000، ثم المؤتمر الكشفي العربي الثالث والعشرين بالرياض عام 2001، كما كان من الركائز التي أسهمت بفكرها وخبرتها وعلاقاتها الواسعة في نجاح مخيمي رسل السلام الأول بالجبيل عام 2006، والثاني في ثول عام 2011، إلى جانب مشاركاته المؤثرة في معسكرات الخدمة العامة التي تنظمها جمعية الكشافة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن، حيث أمضى أعواماً طويلة يقدم فيها الصورة المشرقة للكشاف السعودي في ميادين الشرف والعطاء.

ولعل ما يميز الراحل أكثر من أي إنجاز إداري أو تدريبي هو جانبه الإنساني الرفيع؛ فقد كان قريباً من الجميع، بسيطاً في تعامله، صادقاً في مشاعره، محباً لزملائه، حريصاً على السؤال عنهم، ومتابعة أخبارهم، ومساندتهم في أفراحهم وأتراحهم؛ وحتى بعد تقاعده، لم تنقطع صلته بالحركة الكشفية، ولم يتوقف عطاؤه، ولم تغب ابتسامته، بل ظل يتواصل مع محبيه، ويقدم النصح، ويتابع الأنشطة، رغم ما كان يعانيه من المرض الذي لم يمنعه يوماً من أداء رسالته الإنسانية تجاه إخوانه ورفاق دربه؛ كما كان القائد  أحمد سعيد الغامدي  يمثل بالنسبة لكثير من قادة المراكز الكشفية المستشار الأول، بما يمتلكه من خبرة متراكمة ورؤية ثاقبة، وكان يشكل مع رفيق دربه القائد عامر المطوع، قائد مركز التدريب الكشفي ببيشة، ثنائياً مميزاً يلجأ إليه القادة طلباً للمشورة والرأي، فكانا مدرسة في الحكمة والخبرة وحسن التوجيه.

إن خسارة الحركة الكشفية اليوم ليست في غياب اسمٍ كبير فحسب، وإنما في فقدان قيمة إنسانية وتربوية كانت تمثل نموذجاً للعطاء الصامت، والعمل المخلص، والوفاء للمبادئ؛ فلقد عاش أحمد الغامدي للكشفية، ولم يبحث يوماً عن منصب أو تكريم، لأن أعظم أوسمته كانت محبة الناس، ودعوات من عمل معهم، وأثره الذي بقي في آلاف الكشافين والقادة الذين تعلموا منه قبل أن يعملوا معه.

رحم الله أبا سعيد رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميادين التربية والعمل التطوعي وخدمة الوطن وضيوف الرحمن في موازين حسناته، وألهم أسرته ومحبيه والأسرة الكشفية السعودية الصبر والسلوان.

وداعاً أيها القائد الملهم... ستغيب عن الأنظار، لكنك ستبقى حاضراً في ذاكرة كل من عرفك، وفي كل موقف نبيل تعلمناه منك، وفي كل كشاف حمل رسالة العطاء لأنك كنت يوماً من صنع شخصيته وآمن بقدرته على خدمة وطنه ومجتمعه.

@mawdd3