الكاتب :
التاريخ: ٢٢ سبتمبر-٢٠٢٦       2255

بقلم - هادي بن علي بن جهز الذيابي
 
في قلب نجد، حيث تتجاور ذاكرة المكان مع امتداد الموروث، تستعيد الإبل حضورها في ساجر بصورة تتجاوز حدود المنافسة والعرض؛ فمهرجان الإبل في ساجر يأتي امتدادًا لعلاقة تاريخية عميقة بين الإنسان في الجزيرة العربية والإبل، ويقدمها اليوم في مشهد حديث يجمع الموروث بالاقتصاد، والخبرة بالمنافسة، والبحث عن النادر بالطموح نحو ميادين الإبل الكبرى.

ولم تكن الإبل يومًا مجرد وسيلة للنقل أو مورد للمعاش، بل ارتبطت بحياة العربي في حله وترحاله وتجارته وشعره وثقافته، وأصبحت جزءًا من ذاكرة الجزيرة العربية وملامح حضارتها.

والإبل.. آية ومورد ورفيقة طريق

يكفي أن القرآن الكريم دعا إلى التأمل في خلق الإبل، فقال تعالى:

*﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾*
[الغاشية: 17]

كما قال سبحانه:

﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ۝ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾
[النحل: 5-7]

يظهر جانب آخر من حضور الأنعام في حياة الإنسان المسلم، إلى جانب ما ارتبط بالإبل من الهدي والنُّسك وشعائر الحج.

وفي عصر النبوة، كانت الإبل حاضرة في السفر والتجارة والحج وحمل الأثقال، وكانت من أهم وسائل التنقل والمعاش في المجتمع العربي. ومن أشهر الرواحل في السيرة النبوية ناقة النبي صلى الله عليه وسلم «القصواء»، التي ارتبط اسمها بعدد من الأحداث المعروفة في السيرة.

وهكذا ظلت الإبل جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لا باعتبارها ثروة فحسب، وإنما باعتبارها رفيقًا للإنسان في بيئة فرضت طبيعتها على أهلها الصبر والقدرة على التكيف.

من رفيقة الصحراء إلى شريك في صناعة الحياة

في بيئة واسعة المسافات، محدودة المياه والنبات، امتلكت الإبل خصائص جعلتها عنصرًا أساسيًا في حياة سكان الجزيرة العربية.

حملت الإنسان ومتاعه، ونقلت البضائع والمياه، وأسهمت في حركة القوافل التجارية، والعسكرية كما وفر لبنها ولحمها الغذاء، واستُفيد من وبرها وجلودها في عدد من الاستخدامات.

ومن هنا فإن الحديث عن الإبل هو في جانب منه حديث عن تاريخ الجزيرة العربية؛ عن القوافل والطرق والأسواق والرحلات، وعن حياة الإنسان الذي جعل من الصحراء مساحة للحياة لا عائقًا أمامها.

حين أصبحت الناقة قصيدة

ولأن الإبل كانت قريبة من حياة العربي، كان حضورها في الشعر العربي طبيعيًا وعميقًا.

وقد احتلت الناقة مساحة واسعة في الشعر الجاهلي، وتحولت من وسيلة للرحيل إلى صورة فنية يستحضر من خلالها الشاعر القوة والسرعة والصبر والجمال، والأمثال ،ويصف البيئة التي عاش فيها بكل تفاصيلها.

ومن أشهر النماذج وصف طرفة بن العبد لناقته في معلقته، في تصوير يكشف دقة ملاحظة الشاعر وتعلقه بالراحلة التي كانت جزءًا من حياته ورحلته.

وهكذا لم تكن الناقة في الشعر العربي مجرد دابة يمتطيها الشاعر، بل تحولت إلى رمز للرحلة، وجسر يصل الإنسان بالمكان، وصورة تختزن شيئًا من طبيعة الحياة العربية القديمة.

*ساجر.. حين يستعيد الموروث حضوره*

من هذا الإرث الممتد يمكن قراءة المشهد في ساجر بصورة مختلفة.

فساجر لا تستقبل الإبل باعتبارها  تدخل منافسة وتنتهي مشاركتها بانتهاء المهرجان؛ بل تستقبل موروثًا متجذرًا في الذاكرة، وتمنحه مساحة جديدة للحضور في زمن تتغير فيه أدوات المنافسة وتتطور فيه أساليب العرض والتسويق والاقتناء.

وفي ساحات ساجر يلتقي ملاك الإبل وأهل الخبرة والمهتمون بالسلالات والصفات والباحثون عن النوادر، لتبدأ رحلة أخرى عنوانها فن الاختيار.

فالمنقيات النادره  لا تُبنى بالكثرة وحدها، وإنما تبدأ من معرفة الصفات، وحسن الاختيار، ودقة الملاحظة، والقدرة على اكتشاف ما يمكن أن يصنع فارقًا في المستقبل.

وهنا تكمن قيمة ساجر؛ في كونها مساحة يلتقي فيها أصحاب الخبرة والطموح، وتتحول فيها عملية البحث عن الإبل المميزة إلى جزء من حركة أوسع يعيشها قطاع الإبل في المملكة.

*من ساجر إلى الصياهد.. رحلة النادر*

في عالم الإبل، قد يكون اختيار واحد بداية قصة طويلة.

وقد تكون ناقة أو قعود يتم اكتشافه اليوم في ساجر إضافة نوعية إلى منقية، ثم يجد طريقه لاحقًا إلى ميادين المنافسة الكبرى.على المراكز الاولى .

ومن هنا تبرز العلاقة بين ساجر والصياهد؛ فالمسافة بينهما ليست مجرد مسافة جغرافية، بل يمكن أن تكون رحلة في البحث عن النوعية.

فمهرجانات ومزادات الإبل تمثل محطات مهمة لملاك الإبل للبحث والمقارنة والتعارف وتبادل الخبرات، وقد تكون ساحاتها نقطة انطلاق لإبل تجد حضورها لاحقًا في الميادين الكبرى، وفي مقدمتها مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل في الصياهد.

وبذلك تصبح ساجر جزءًا من المشهد الأوسع الذي تشهده المملكة في المحافظة على موروث الإبل وتطوير حضوره ثقافيًا واقتصاديًا وسياحيًا.

*موروث يتجدد.. وأجيال تتوارث الحكاية*

الاحتفاء بالإبل اليوم لا يعني العودة إلى الماضي فقط، بل يعني أيضًا إعادة تقديم هذا الموروث بلغة العصر.

فالمهرجانات الحديثة تجمع بين الخبرة المتوارثة والتنظيم الحديث، وبين المعرفة بالسلالات والصفات وبين أدوات التسويق والتواصل، وتفتح المجال أمام جيل جديد للتعرف على هذا الموروث والمشاركة في صناعته.

وفي ساجر، تتقاطع خبرة الكبار مع شغف الشباب؛ خبرة سنوات طويلة في معرفة الإبل، مع طموح جيل جديد يبحث عن التميز والإنجاز.

وهكذا تنتقل المعرفة من جيل إلى جيل، وتبقى الإبل حاضرة لا بوصفها ذكرى من الماضي، وإنما بوصفها موروثًا حيًا قادرًا على التجدد.

*في ساجر.. تبدأ حكاية أخرى*

قد تكون حكاية الإبل قد بدأت منذ قرون في طرق الجزيرة العربية وقوافلها، ومرت بالشعر والأسواق والمراعي، لكنها اليوم تواصل حضورها في ميادين جديدة.

وفي ساجر تحديدًا، تبدو الحكاية أكثر وضوحًا؛ فهنا يبحث المالك عن النادر، ويقرأ الخبير الصفات، وتقارن المنقيات، وتتلاقى الخبرات، ويتشكل الطموح.

وربما تكون النادرة التي تُكتشف في ساجر اليوم هي نفسها التي تكتب غدًا فصلًا جديدًا في قصة منقية تتجه إلى الصياهد.

*في ساجر تبدأ حكاية النخبة، وفي الصياهد قد يكتمل الحلم.*