بقلم: عيسى المزمومي
ليست جميع الخسارات ما يُنتزع من اليد، فبعضها يُنتزع من القلب، وبعض السقوط لا يبدأ بفقدان وظيفة أو منصب، بل يبدأ عندما يرى الإنسان المبادئ التي آمن بها طويلًا تتراجع أمام المصالح، فيقف حائرًا: هل تغيّر الواقع، أم تبدلت معايير الناس؟!
في بداية مسيرتي العملية، دخلت إحدى الشركات وأنا أحمل قناعة بسيطة مفادها أن الاجتهاد طريق النجاح، وأن الإخلاص لا يضيع، وأن الأنظمة وُضعت لحماية الحقوق لا لتبرير التجاوزات. لكن الأيام كشفت لي أن النصوص وحدها لا تكفي، إذا غابت عنها الضمائر التي تطبقها.
كان المكان يعج بالحركة، إلا أن الصمت كان سيد الموقف. لم يكن صمت الإنجاز، بل صمت الحذر. كانت الوجوه تخفي أكثر مما تُظهر، والخوف يسير بين المكاتب دون أن يحتاج إلى تعريف.
هناك أدركت أن السلطة لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد القرارات، بل بقدرتها على صناعة الثقة. فالمدير الذي يبني النظام بالخوف قد يحقق انضباطًا مؤقتًا، لكنه لن يصنع احترامًا دائمًا، لأن الاحترام لا يُفرض، وإنما يُكتسب بالعدل.
وخلال تلك المرحلة، رأيت مواقف كثيرة كان أصحابها يبحثون عن إنصافٍ كفله النظام، لكنهم كانوا يغادرون وهم يحملون خيبة أكبر من أوراقهم. لم تكن المشكلة دائمًا في اللوائح، بل في طريقة تفسيرها، وفيمن يملك سلطة استخدامها.
حينها بدأت أوقن أن أخطر أشكال الظلم ليس ما يُمارس بصوت مرتفع، وإنما ذلك الذي يأتي بهدوء، ويُغلَّف بعبارات إدارية جميلة، حتى يبدو طبيعيًا في أعين من اعتادوه.
وتعلمت أيضًا أن المؤسسات لا تخسر عندما تقل أرباحها، وإنما تخسر حين تفقد ثقة العاملين فيها. فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي بيئة عمل، وإذا انهارت، فلن تعوضها التقارير ولا الاجتماعات ولا الشعارات.
وفي إحدى الليالي، وجدت نفسي أراجع تلك التجربة كلها، فسألت نفسي سؤالًا ظل يرافقني طويلًا: ما الذي أخشاه حقًا؟ هل أخشى خسارة الوظيفة، أم أخشى أن أخسر الإنسان الذي أريد أن أكونه؟
وكان الجواب واضحًا: الوظائف تتغير، والأرزاق بيد الله، أما المبادئ فإذا تصدعت، فإن ترميمها قد يحتاج سنوات طويلة.
منذ تلك اللحظة، لم تعد القضية بالنسبة لي مرتبطة بشخص أو بمنصب، بل أصبحت درسًا في الحياة. أدركت أن بعض البيئات المهنية قد تدفع الإنسان إلى التنازل تدريجيًا حتى يعتاد ما كان يرفضه بالأمس، وأن أخطر الهزائم ليست التي يراها الناس، بل تلك التي تقع داخل النفس بصمت.
كما أدركت أن الرحيل لا يبدأ بخطوة القدم، بل بخطوة القلب، حين يقرر الإنسان أن كرامته وقيمه ليستا محل مساومة، وأن أبواب الرزق أوسع من باب واحد، وأن الله لا يغلق طريقًا إلا ويفتح خيرًا منه لمن أحسن الظن به.
لقد كانت تلك التجربة، بكل ما حملته من ألم، واحدة من أهم المحطات التي أعادت تشكيل رؤيتي للحياة والعمل والإنسان. علمتني أن العدل ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية، وأن القيادة الحقيقية لا تُقاس بما يملكه القائد من صلاحيات، بل بما يتركه في نفوس من يعملون معه من أثر طيب وثقة وعدالة.
وأيقنت في النهاية أن بعض السقوط ليس نهاية الطريق، بل بداية الطريق الحقيقي، وأن أكثر البدايات إشراقًا قد تولد من أكثر اللحظات وجعًا!
ملاحظة :
*شذرات من كتاب (يوميات خارج المألوف) جارى اصداره.