بقلم: وفاء عبدالعزيز
ونحن نجوب هذا العالم الافتراضي، نصادف الكثير من القصص والأخبار؛ بعضها يشد انتباهنا، وبعضها الآخر لا نعيره اهتمامًا، وهناك ما يجعلك تود أن تسحب صاحبه من خلف الشاشة لتصرخ فيه منبهًا: “أيها الإنسان… استيقظ!”
ومن ذلك قصة امرأة اصطحبت طفلها الصغير إلى أحد الأندية الصيفية التي تقيم فعاليات ترفيهية وتعليمية للأطفال، ولاحظت أن الكرة، ولا السيارات، ولا الطائرات من الألعاب تستهويه كما تستهوِي أقرانه، بل كان شغفه منصبًا على الأفران وأدوات الطبخ، حتى إنه طلب منها أن تشتري له مطبخًا للأطفال.
وقفت الأم حائرة بين تلبية رغبته، وبين رفض والده الذي يرى أن ذلك معيب في حقه لأنه ذكر، وأن هذه اللعبة مخصصة للإناث.
شخصيًا، استنكرت شعورها بالحيرة، وما استفزني أكثر سؤالها الذي طرحته في قصتها حين قالت بكل سذاجة وخوف:
“هل من الطبيعي أن يختار ولد مثل هذه اللعبة؟”
هذا السؤال جعلني أشعر بأن الأم متأثرة إلى حد كبير بقضية اضطراب الهوية الجنسية، التي باتت كابوسًا في بعض المجتمعات الغربية، ويحاول البعض تصديرها إلى العالم وجعلها هاجس المجتمعات الأول، مع أن المشكلة في أصلها ترتبط ببيئات اجتماعية وفكرية معقدة، ولا يصح إسقاطها على كل تصرف بريء يصدر عن الأطفال.
ودفعني سؤالها إلى الدفاع عن ذلك الطفل المسكين، الذي لا يدري أن طلبه البريء جعل ذكورته موضع شك، وأثار خلافًا بين والديه.
فكتبت لها:
لا يوجد ما يدعو للقلق في اختياره لهذه اللعبة، فهو اختارها لأن لديه ميلًا إلى الطهي، وعليكِ كوالدة ألا تشعريه بأن في الأمر عيبًا أو خطأ، فالطفل شديد الحساسية، وإذا شعر بأنه ارتكب أمرًا معيبًا، فقد يتولد لديه الإحساس بالذنب، ثم الخوف. كما أن بعض الأطفال ينجذبون إلى الألعاب بسبب ألوانها أو تصميمها الجميل، فيلحون في طلبها، ثم لا يلبثون أن يملوها ويتركوها بعد فترة. أما في حالة طفلك، فلا أظنه من هذا النوع، بل قد تكون تلك إشارة إلى موهبة واعدة في المستقبل.
وما لا يعلمه كثير من الآباء والأمهات أن الطفل يعيش في مرحلة عمرية تقوم على حب التجربة والاستكشاف والاستمتاع، فلا داعي لكل ذلك الخوف أو الغضب، وكأن مستقبله قد حُسم، وأنه سيمتهن الطهي لا محالة.
ولا أدري متى تنقرض تلك العقول التي ترى أن الطهي ينتقص من الرجولة، أو تنظر إلى بعض الحرف اليدوية على أنها مهن دون المستوى!
ذات مرة، رأيت فصلًا تمهيديًا في إحدى المدارس اليابانية، فذهلت مما شاهدت؛ إذ كان الأطفال، ذكورًا وإناثًا، يتحلقون في مجموعات، بعضهم يحفر على الخشب، وبعضهم يخيط الثياب أو يحيك الصوف، وآخرون يشكلون الفخار.
لم أر في ذلك الفصل طبيبًا ولا مهندسًا ولا عالمًا، بل رأيت نجارًا، وفنانًا، وصاحب حرفة.
واستنتجت أن الهدف من هذا النوع من التعليم هو تدريب الصغار، واكتشاف مواهبهم، وغرس احترام المهن اليدوية وتقدير أصحابها في نفوسهم.
فمتى نصل إلى هذا المستوى من الوعي والاحترام؟ ومتى نُقدّر عقول أطفالنا، ونترك لهم مساحة ليعيشوا طفولتهم بأريحية، بعيدًا عن العقد التي ورثناها وغرسناها في نفوسهم؟
وما يثير الحزن أن بعض الناس ينظرون إلى الطاهي نظرة دونية، وإن لم يصرحوا بذلك علنًا، لكنك تجدهم حين يسافرون إلى بلد أوروبي، ويتناولون وجبة في مطعم فاخر، يمثلون قمة الرقي والذوق، ويطلبون مقابلة ذلك الطاهي المبدع ليشكروه، ويثنوا على طبقه الذي أمتع حواسهم!
إننا أمة تعيش كثيرًا من التناقضات.
تعجبنا تلك الحرف، وتبهرنا، ونثني على محترفيها، لكننا نرفض أن يمارسها أبناؤنا!
ومن حق كل أب وأم أن يطمحا إلى الأفضل لأبنائهما، لكن التربية الحقيقية تقوم على التوجيه لا التسلط، وعلى الدعم لا الفرض. فلا يجوز أن نفرض على أبنائنا الأحلام التي لم نحققها نحن، أو ندفعهم إلى مسارات نظن أنها ستدر عليهم المال أو تمنحنا وجاهة اجتماعية، لنُعرف مثلًا بأننا “والد الدكتور فلان”.
ولا تنسَ أن لابنك شخصية مستقلة، وعقلًا، وأحلامًا قد تختلف عن أحلامك، ومن واجبك احترامها.
فكم من طبيب درس الطب إرضاءً لوالديه، ثم ما إن نال استقلاله حتى وضع شهادته جانبًا، واتجه إلى ممارسة ما يحب، كالفن، أو الطهي، أو الميكانيكا، أو غيرها.
ولست هنا أقلل من شأن مهنة الطب، فهي من أشرف المهن وأعظمها، وإنما أسلط الضوء على الهوس المبالغ فيه بها لدى شريحة كبيرة من الأسر، حتى أصبح بعضهم يعلق لقب “الدكتور” على طفله منذ ولادته، وكأن مستقبله قد كُتب قبل أن يكتشف نفسه، أو يُعرف ميوله، أو تتجلى مواهبه.
فالأبناء لا يُصنعون على مقاس أحلامنا، وإنما يزدهرون حين نمنحهم الثقة، ونكتشف مواهبهم، ونحترم اختلافهم، ونترك لهم حرية أن يكونوا النسخة الأفضل من أنفسهم.