الكاتب :
التاريخ: ٢٨ يوليو-٢٠٢٦       4785

بقلم - د. نجوى الكحلوت
ثمة لحظة، حين تُغلق أبواب المقصورة الزجاجية وتبدأ بالارتفاع في صمت، يشعر فيها الراكب أنه تجاوز حدًا لم يكن يظن يومًا أنه قابل للتجاوز. الأرض تتباعد، والأشجار تتحول إلى بقع خضراء متناثرة، والطرقات إلى خيوط رفيعة تتعرج بين التلال. لا صوت محرك يصرخ، ولا عجلات تلامس الأرض، بل سلك معلق يحمل جسدًا كاملًا بين مرتفعين، وكأن الإنسان استعار من الطير خفته دون أن يستعير جناحيه.
التلفريك آلة بسيطة في فكرتها، عميقة في أثرها. كابل فولاذي مشدود بين قمتين، ومقصورة تنزلق عليه بقوة الجاذبية أو المحرك، تحمل الأجساد الثقيلة فوق الأودية السحيقة والصخور الحادة والمسافات التي كانت تُقطع سيرًا في أيام، فتُختصر إلى دقائق معدودة. هي حل هندسي لمشكلة قديمة: كيف يعبر الإنسان ما لا يستطيع المشي فوقه؟ وقد وجد جوابه لا بالحفر ولا بالبناء، بل بالتعليق في الفراغ.
حين يرتفع المرء في تلك المقصورة، يتغير منطق الرؤية كله. ما كان يراه من الأسفل جبلًا شامخًا يحجب الأفق، يصير من العلو تفصيلًا في مشهد أوسع بكثير. الوديان التي كانت تبدو هاوية مخيفة تتكشف عن جمال هندسي، طبقات من الصخر رسمتها ملايين السنين، ومجاري مياه جافة تحكي قصص فيضانات نسيها الزمن. وهنا يحضر التأمل بلا استئذان؛ فالارتفاع الجسدي يستدرج ارتفاعًا آخر، ارتفاعًا في النظر إلى الذات وموقعها من هذا الكون الفسيح. نعم، هناك بين قمتين، تتسع الرؤية. 
يقول القرآن الكريم: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (الغاشية: 17-19). والمتأمل في جبل من فوق مقصورة معلقة يقرأ هذه الآية بمعنى مضاعف؛ فهو لا ينظر إلى الجبل من بعيد كما يفعل السائر على الأرض، بل يحاذيه، يقترب من كتفه، يرى تضاريسه التي نُصبت بلا عمد ظاهرة، ثابتة رغم الرياح والزلازل والقرون المتعاقبة. وحين يشعر الراكب بخفة جسده معلقًا بسلك لا يتجاوز قطره بضعة سنتيمترات، فوق مسافة قد تبلغ مئات الأمتار، تحضر في القلب معانٍ لا تحضر في الأسفل: من الذي أمسك هذا السلك؟ ومن الذي جعل الحديد يحتمل هذا الثقل؟ ومن الذي علّم الإنسان أن يهندس هذه المعادلة بين الجاذبية والتوازن؟
حين يخترع الإنسان آلة كهذه، فهو لا يخلق شيئًا من عدم، بل يكتشف قوانين موضوعة سلفًا في الكون سخّرها الله لخدمته. الجاذبية موجودة قبل أن يوجد التلفريك، وخواص المعادن موجودة، وقوانين الاحتكاك والتوازن -أيضا- موجودة؛ وكل ما فعله الإنسان أنه قرأ هذا النص الكوني المفتوح وترجم بعض سطوره إلى آلة تحمله. هذا هو جوهر التمكين كما تصفه الآية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (الجاثية: 13). فالتسخير هبة سابقة على الاختراع، والإنسان لا يصنع القوانين، إنما يُهدى إلى فهمها.
وفي هذا ما يشبه عبادة خفية لا تُتلى بالكلام؛ فكل مهندس صمم كابلًا يتحمل الوزن، وكل عامل ثبّت برجًا في الصخر، كان في الحقيقة يمارس تأملًا عمليًّا في نظام هذا الكون، وإن لم يسمِّه كذلك. فالتفكر ليس حكرًا على الجلوس الساكن أمام السماء، بل يكون أيضًا في اليد التي تحسب زاوية الميل، وفي العقل الذي يوازن بين قوة الشد وحمل الوزن، ليخرج من هذا الحساب جسر معلق يعبر عليه آلاف البشر كل يوم بأمان.
عندما كنت أمتطي صهوة جواد هذه الآلة وأنا أتنزه مع أسرتي في هذا الصيف، تمخر في ذهني عباب هذا التأمل رحلة انتهت في ظاهرها بصورة تذكارية عند القمة. ولكنها في الحقيقة تكشف عن وجه آخر من وجوه النعمة؛ فالله لم يجعل التفكر عبوسًا ثقيلًا، بل ربطه أحيانًا بالفرح والدهشة الطفولية. الطفل الذي يضحك من الارتفاع، والعاشقان اللذان يمسكان يديهما فوق الوادي، والمصور الذي يلتقط غروبًا لم يكن ليصله لولا هذه الآلة، كلهم شركاء في نعمة واحدة وإن اختلفت نياتهم.
وهذا بالذات ما يكشف تطور الإنسان الحقيقي: لا أن يكتفي بالبقاء والنجاة، بل أن يحوّل حاجته إلى العبور إلى تجربة جمالية، ويجعل من الخوف الطبيعي من الارتفاع متعة مضبوطة بالهندسة والأمان. فالحضارة، في أحد تعريفاتها، هي هذه المسافة التي يقطعها الإنسان من الخوف من الجبل إلى معانقته، ومن السير المتعب حوله إلى التحليق الهادئ فوقه.
وهكذا تصبح تلك المقصورة المعلقة بين قمتين رمزًا مكثفًا لحال الإنسان كله: مخلوق معلّق بين الأرض والسماء، بين الطين الذي جُبل منه والروح التي نُفخت فيه، يسعى دومًا ليرتفع قليلًا، ليرى أبعد، ويتأمل أعمق، وليشكر — في لحظة الصعود الصامتة — الذي جعل له من كل شيء سببًا.