بقلم - أحمد صالح حلبي
يرى البعض أن الاستشراق منحصر في كونه " حركة فكرية وفلسفية أسسها البيروقراط في بريطانيا بغرض فهم ثقافات، وفلسفات وأديان الشرق إبان الاستعمار البريطاني للهند في أواسط القرن الثامن عشر، وتوسعت حركة الاستشراق في الدول الاستعمارية كبريطانيا، فرنسا، وألمانيا، ودُرِست من قبل الأكاديميين في أروقة الجامعات والمعاهد العلمية بصورة أكثر منهجية ، وشملت الشرق الأقصى والأدنى والأوسط بما فيها الدول العربية " .
غير أن المصادر والمراجع التاريخية اشارت إلى أن نشاط التأليف في كتب الرحلات إلى مكة برز بعد القرن العاشر من لدن الرحالة المستشرقين ، الذين ظهر اهتمامهم البالغ للتعرف على مكة المكرمة وموقعها وتضاريسها وأسرارها ، والتعرف على أحوال المسلمين فيها وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية .
وتنوعت مدارس الاستشراق الأوروبية فظهرت البرتغالية والفرنسية والألمانية والإيطالية والفنلندية والهولندية في الرحلات إلى مكة المكرمة .
وهذا ما اشارت إليه الدكتورة صفاء إبراهيم العلوي مديرة الارشيف الوطني بمملكة البحرين وهي أول بحرينية تحصل على الشهادة المتخصصة في علوم إدارة ونظم الأرشيف الحديثة ، في مقالها بجريدة الوطن البحرينية بتاريخ 4 أغسطس 2019 ، تحت عنوان " مكة حلم المستشرقين "
بقولها : إن مكة المكرمة " كانت أمنية المستشرقين، حلم يتطلعون لزيارتها ليتعلموا كيف كانت انطلاقة الفكر الإسلامي من هذا المكان، مما أدى إلى أن تكون محط اهتماماتهم ودراساتهم منذ القرن الخامس قبل الميلاد من قبل الكثير مثل " ثيوفرست وهييرودوتس " تلاميذ أرسطو ومروراً بالجغرافي اليوناني «سترابون « وفِي القرن الأول والثاني الميلادي أيضاً من قبل المؤرخ اليوناني «بليني» حتى القرن الخامس عشر الميلادي عندما تدفق الرحالة الأوربيون على الجزيرة العربية " ، مشيرة إلى أن " أول من ادعى وصوله إلى مكة هو الإيطالي جون كابوت عام 1480 م قبل سقوط الأندلس واكتشاف أمريكا باثني عشرة عاماً، ولكن أول من سُجِلَ بالوثائق والسجلات الرسمية هو «يونس المصري» عام 1503 وهو رجل إيطالي اسمه الحقيقي « فارتيما» وجاء مبحراً من البندقية مروراً بالإسكندرية وطرابلس وأنطاكية وبيروت ودمشق، وهناك في دمشق تعلّم اللغة العربية ليشد الرحال جنوباً بزي جندي مملوك واصفاً نفسه جندياً في حرس المماليك .
وبهذا فإنه يمكن القول بأن الرحالة الإيطالي فارثيما الذي أطلق على نفسه اسم (الحاج يونس المصري) ، هو أوّل رحالة أوربي تطأ قدماه مكة المكرمة وفقا لما اشارت إليه المصادر، وكان ذلك في عام 1503م .
أما ما دونه المستشرقون عن مكة ، فإنه يجعلنا نقف أمام وصفهم الدقيق لها بشوارعها وأزقتها وحركة الحجاج ، وهذا ما أشار إليه الرحالة الإيطالي فارتيما لودفيكو ، الذي سمى نفسه بـــ " الحاج يونس المصري " بقوله : " إنه لم يجد مطلقاً من قبل مثل هذا العدد من الناس يجتمع في بقعة واحدة من الأرض " .
فيما كتب جوزيف بيتس الشاب الإنجليزي ، والذي اطلق على نفسه اسم "الحاج يوسف"،: " دخلتُ من شارع واسع يتوسط مبانٍ تتناثر على يمينه ويساره، ويؤدي هذا الطريق إلى الحرم مباشرة، حتى دخلت الحرم المكي من باب السلام " ، و " لقد كان مشهدًا يخلب اللُّبَ حقًا أن ترى هذه الآلاف المؤلفة في لباس التواضع والتجرد من ملذات الدنيا، برؤوسهم العارية وقد بللت الدموع وجناتهم، وأن تسمع تضرعاتهم طالبين الغفران والصفح لبدء حياة جديدة " .
أما المستشرق الإنجليزي ريتشارد بيرتون الذي جاء لمكة المكرمة بتكليف من الجمعية الجغرافية الملكية بلندن في تقريره " لقد رأيت شعائر دينية في بقاع كثيرة من الأرض، لكنني لم أر أبدًا ما هو أكثر وقارًا وتأثيرًا مما رأيته هنا " .
وقال المستشرق الاسباني دومينغا لونغا المعروف باسم " على بك العباسي " ، في مذكراته: إنَّ الإنسان لا يستطيع أن يكوِّن فكرة عن ذلك المنظر المهيب الذى يبدو في مناسك الحجِّ بصورة عامَّة إلا بعد الوقوف على جبل عرفات، فهناك حشد من الرجال الذين لا يُحصى لهم عدد، وهم من جميع الأمم، ومن جميع الألوان، وقد أتَوْا من أركان المعمورة على الرغْم من المخاطر والأهوال لعبادة الله، فالقفقاسى يمد يده للحبشى أو الإفريقى أو الهندى أو العجمي، ويشعر بشعور الأخوة مع الرجال من البرابرة من سواحل مراكش، وكلهم يعُدُّون أنفسهم إخوانًا أو أعضاء في أسرة واحدة ".
وقال المصور الفرنسي الشهير غيل كورتلمون الذي عرف لاحقا باسم «عبدالله بن البشير»، وحضر فريضة الحج عام ١٨٩٤، في كتابه « رحلتي إلى مكة »، إن " عشرون ألف مؤمن يتراصّون في صفوف منتظمة، يقفون في ثبات وسكون: «بسم الله...» فعمّ الحرم الشريف صمت مطبق، وامتلأت القلوب بالإيمان فى صمت، «الله أكبر...» فيرد الجميع بصوت واحد، وبصوت خافت: الله أكبر إلا أنّ عدد المصلين كبير جدًا، لدرجة أنّ ترديد الأصوات، وإنْ بصوت خافت، يجعلها تتجمع في صوت هائل مفعم بالإيمان، مُحدِثًا جلجلة تستمر مدة طويلة مع انحناء المصلين للركوع، تستمر الصلاة، ومعها تستمر جباه المصلين في ملامسة الأرض مرتين، عبادةً لله تعالى وخضوعًا له، ثم تتوالى الركعات في حركات هادئة مملوءة بالإجلال، فتزيدهم وقارًا، وهكذا إلى أن تنتهى الفريضة بالسلام.
لذم فإن حديث المستشرقين عن مكة المكرمة لم يكن عبارة عن وصف لرحلات ومغامرات بل شعور انتابهم ، جعلهم يوقفون أمام مناظر الحجيج متعجبين من جمال المنظر المتمثل في المساواة بين المسلمين .
@ashalabi1380