حوار _ حسين السنونة
تقول الكاتبة والناقدة المسرحية العمانية د. آمنة ربيع في حديثها لصحيفة "النهار": "لا أخفي مدى سعادتي بالحراك الثقافي في المملكة عموماً، وبالمسرح على وجه الخصوص، وبوجوه الشباب والشابات الذين التقيت بهم، وجلستُ إليهم، واستمعتُ إلى أصواتهم ورؤاهم. لقد شهدت الحياة المسرحية في المملكة تطوراً ملحوظاً، وشاهدتُ عروضاً تنحو نحو التجريب، وتعمل على تفكيك التراث المحلي ومساءلته بذكاء. كما لمستُ اجتهادات ثرية في التفكير بالممارسة المسرحية على مستوى الإدارة والتنظيم لدى ياسر مدخلي، وهاجساً نقدياً وجمالياً لدى لطيفة البقمي، وعنايةً بصياغة الجملة المسرحية لدى فهد ردة وعباس حايك وإبراهيم الحارثي. ولا يتوقف الأمر عند هؤلاء، فثمة جهود أخرى ملموسة في تثوير الخشبة وتجديد لغتها لدى سامي الزهراني وكُميل العلي. ويضيف جميع هؤلاء إلى المشهد المسرحي السعودي قدراً كبيراً من الفكر والجمال، امتداداً لما أسهم به من قبل ملحة عبدالله وسامي الجمعان، وذلك في ظل التحولات الثقافية التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030م".
في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية التي يعيشها العالم العربي، ما القضية المسرحية التي ترون أن النقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام، ولماذا؟
لا يمكن تقديم إجابة قاطعة عن هذا السؤال؛ لأن النقد المسرحي العربي ليس كتلة واحدة، بل هو تيارات واتجاهات وتجارب تتفاوت في منطلقاتها واهتماماتها. ومع ذلك، أرى أن ثمة قضايا ما تزال بحاجة إلى مزيد من الاشتغال النقدي، لا لأنها غائبة تمامًا، بل لأنها لم تتحول بعد إلى مشروع معرفي متكامل.
إن المتغيرات الاجتماعية والديموغرافية التي يعيشها الإنسان العربي لا تنفصل عن التحولات السياسية والرقمية. ففي ستينيات القرن الماضي انشغل النقد بنظرية الأدب وبقضايا الشكل والمضمون، والغموض في العمل الأدبي، والتزام المبدع، ومغامرة التجريب، وغيرها من الأسئلة التي شغلت الحياة الثقافية آنذاك. ثم اتجه إلى استيعاب مناهج الشكلانية والبنيوية وما بعد البنيوية، قبل أن ينفتح على أسئلة الحداثة وما بعدها، وما صاحبها من جدل حول العولمة والهوية والعودة إلى التراث. ومع ذلك، ظل جانب من هذا الاشتغال النقدي يدور حول استيعاب المصطلحات والمناهج الوافدة وتبيئتها في الدرس النقدي العربي، ولا يزال النقاش بشأن كثير منها مفتوحًا.
وأمام التحولات الرقمية المتسارعة، وصعود الذكاء الاصطناعي، أعتقد أن القضية التي لم تنل بعد ما تستحقه من اهتمام في النقد المسرحي العربي هي تحوّل المتفرج من متلقٍ سلبي إلى شريك في إنتاج المعنى.
فالنقد العربي ما زال يمنح النص والمخرج والممثل مساحة واسعة من التحليل، بينما لا يلتفت بالقدر نفسه إلى الكيفية التي يعيد بها العرض تشكيل علاقة المتفرج بالفعل المسرحي. وفي ظل التحولات الرقمية والاجتماعية الراهنة، لم يعد السؤال النقدي يقتصر على ما يقوله العرض، بل أصبح يمتد إلى الكيفية التي يعيد بها تعريف العلاقة بين الفرجة والمشاركة والتأويل. وأرى أن هذا المسار يمثل أحد أهم آفاق تجديد النقد المسرحي العربي في المرحلة المقبلة.
هل تعتقدون أن الكتابة عن المسرح أصبحت اليوم تواكب تطور الممارسة المسرحية العربية، أم أنها ما تزال أسيرة المناهج التقليدية والمفاهيم الكلاسيكية؟
أعتقد أن الكتابة عن المسرح العربي اليوم أصبحت أكثر تنوعًا وانفتاحًا وثراءً مما كانت عليه في العقود السابقة. فلم يعد اهتمامها مقتصرًا على النص المسرحي أو المناهج النقدية التقليدية، بل امتد إلى قضايا الأداء، والفرجة، والجسد، والمصطلح، والدراسات النسوية، وما بعد الكولونيالية، وغيرها من المقاربات التي تعكس اتساع أفق الدرس المسرحي. وهذا لا يعني أن جميع الكتابات تواكب بالدرجة نفسها تطور الممارسة المسرحية؛ فثمة تفاوت في عمقها وقدرتها على قراءة التحولات الراهنة. ومع ذلك، لا أرى أن الكتابة المسرحية العربية اليوم ما تزال أسيرة المناهج التقليدية بقدر ما هي في مرحلة تعدد المناهج وتداخلها.
كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على خصوصيته الثقافية والجمالية، من دون أن ينغلق على نفسه أو يتحول إلى مجرد محاكاة للتجارب المسرحية العالمية؟
لا أنظر إلى المحاكاة بوصفها عائقًا أو نقيضًا للخصوصية الثقافية، فالفنون تتلاقح، والثقافات تتفاعل، والمسرح منذ نشأته إرث إنساني مشترك. وربما تنطلق صيغة السؤال من افتراض أن الانفتاح يهدد الهوية، بينما أرى أن التحدي الحقيقي يكمن في الكيفية التي نستثمر بها هذا الانفتاح. فالمسرح العربي يستطيع أن يحاور التجارب العالمية من دون أن يفقد صوته الخاص، حين ينطلق من تراثه، وذاكرته الثقافية، ولهجاته المحلية، وأسئلته الاجتماعية، وقلقه الوجودي، ويعيد صياغتها برؤية جمالية معاصرة. فالخصوصية لا تعني التقوقع والانغلاق، كما أن الانفتاح لا يعني الاستنساخ، وإنما تتجلى الهوية في قدرة المسرح على تحويل الخبرات الإنسانية المشتركة إلى تجربة تحمل بصمته الثقافية والجمالية.
إذا طلب منكم إعادة كتابة كتابكم اليوم بعد سنوات من صدوره، فما الفكرة أو الفصل الذي ستعيدون النظر فيه في ضوء التحولات الفكرية والمسرحية الراهنة؟
أؤمن بأن كل كتاب، بمجرد نشره، يصبح ملكًا لقرائه أكثر مما يبقى ملكًا لكاتبه. لذلك لا أفكر في إعادة كتابة فصل بعينه بقدر ما أحرص على مراجعة مفاهيمي كلما ظهرت دراسات جديدة أو تحولات معرفية تدفع إلى إعادة النظر في بعض المصطلحات أو في طرائق توظيفها. فالكتاب بالنسبة إليّ ليس نصًا مغلقًا، وإنما محطة في مسار بحثي قابل للمراجعة والتطوير. أما في الكتابة الإبداعية، فأتعامل مع نصوصي بقدر أكبر من الحرية والتجريب؛ إذ لا أجد ما يمنع من العودة إلى شخصية أو فكرة من عمل سابق، وإعادة بنائها في سياق إبداعي جديد إذا اقتضت التجربة ذلك.
حدثينا عن فكرة كتابك المسرحي الذي صدر عبر الهيئة العربية للمسرح "قراءة المسرح مقاربتان ثقافيتان في النص الدرامي".
بدأ التفكير في هذا الكتاب منذ انشغالي بالمقاربات الثقافية الحديثة، ومحاولة اختبار قدرتها على قراءة النص المسرحي العربي بعيدًا عن المناهج السياقية التقليدية. من هنا جاء عنوانه (قراءة المسرح... مقاربتان ثقافيتان في النص الدرامي)، وهو كتاب يسعى إلى توظيف المقاربة الثقافية والمقاربة النسوية في قراءة تجربتين مسرحيتين عربيتين، هما تجربة الشاعر والكاتب المسرحي العماني سماء عيسى، وتجربة الكاتبة والمخرجة الكويتية سعداء الدعاس. لم يكن هدفي تقديم عرض نظري للمقاربتين، بقدر ما كان اختبار فاعليتهما في الكشف عن الأبعاد الفكرية والجمالية للنص المسرحي، وإبراز قدرة المناهج النقدية المعاصرة على فتح أسئلة جديدة في قراءة المسرح العربي.
كيف كان تعاون الهيئة العربية للمسرح في إتمام فصول الكتاب؟
كان التعاون مع الهيئة العربية للمسرح جيدًا ومهنيًا منذ البداية. فقد أرسلتُ مسودة الكتاب عن طريق الجمعية العُمانية للمسرح، وتزامن صدوره مع إقامة مهرجان الهيئة العربية للمسرح في سلطنة عُمان، الأمر الذي أتاح فرصة الإعلان عنه وتنظيم حفل لتوقيعه عبر البرنامج الثقافي للمهرجان، إلى جانب التعريف به في الصفحة الرسمية للهيئة على فيسبوك. وخلال حفل التوقيع قدّمتُ ملخصًا للكتاب، وأجبت عن أسئلة الحضور الذين أبدوا اهتمامًا بالموضوع وأشادوا بالمعالجة النقدية التي قدمها الكتاب. ومن هنا أجدد شكري للهيئة العربية للمسرح على جهودها المتواصلة في دعم النشر المسرحي، وإثراء المسرح العربي بالدراسات والعروض والبرامج الثقافية المصاحبة.
ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها الهيئة العربية للمسرح، في دعم التأليف المسرحي والبحث الأكاديمي، بحيث لا يقتصر الدعم على إنتاج العروض، بل يمتد إلى بناء مشروع معرفي عربي متكامل حول المسرح؟
ما تقوم به الهيئة العربية للمسرح، ممثلة في رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وسعادة الأمين العام للهيئة الكاتب إسماعيل عبدالله، محل تقدير بالغ. فقد أسهمت الهيئة في دعم التأليف المسرحي، والكتاب الإبداعي، ومسابقات البحث العلمي، وإنتاج العروض، وهي جهود تركت أثرًا واضحًا في المشهد المسرحي العربي. ومع ذلك، فإن بناء مشروع معرفي عربي متكامل لا يمكن أن ينهض على عاتق الهيئة وحدها، بل يحتاج إلى تكامل جاد بين المؤسسات الأكاديمية والثقافية، وتعزيز التواصل بين الباحثين العرب، حتى لا تظل المعرفة المسرحية مجزأة على امتداد الجغرافيا العربية.
ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية؟
سأنطلق في الإجابة عن هذا السؤال من خلال مشاركتي في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان الفرق الأهلية المسرحية لدول مجلس التعاون الخليجي، التي أُقيمت في الرياض خلال شهر سبتمبر 2024، حيث شاركتُ في الندوة الفكرية ببحث تناول الحداثة في الدوريات الخليجية.
ولا أخفي مدى سعادتي بالحراك الثقافي في المملكة عمومًا، وبالمسرح على وجه الخصوص، وبوجوه الشباب والشابات الذين التقيت بهم، وجلستُ إليهم، واستمعتُ إلى أصواتهم ورؤاهم. لقد شهدت الحياة المسرحية في المملكة تطورًا ملحوظًا، وشاهدتُ عروضًا تنحو نحو التجريب، وتعمل على تفكيك التراث المحلي ومساءلته بذكاء. كما لمستُ اجتهادات ثرية في التفكير بالممارسة المسرحية على مستوى الإدارة والتنظيم لدى ياسر مدخلي، وهاجسًا نقديًا وجماليًا لدى لطيفة البقمي، وعنايةً بصياغة الجملة المسرحية لدى فهد ردة وعباس حايك وإبراهيم الحارثي. ولا يتوقف الأمر عند هؤلاء، فثمة جهود أخرى ملموسة في تثوير الخشبة وتجديد لغتها لدى سامي زهراني وكُميل العلي. ويضيف جميع هؤلاء إلى المشهد المسرحي السعودي قدرًا كبيرًا من الفكر والجمال، امتدادًا لما أسهم به من قبل ملحة عبدالله وسامي الجمعان، وذلك في ظل التحولات الثقافية التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030م