الكاتب :
التاريخ: ١٤ يوليو-٢٠٢٦       7150

حوار- حسين السنونه

يؤكد  السينوغرافي والباحث المسرحي العراقي علي السوداني  في حديثه لصحيفة "النهار" من خلال متابعتي ومشاهداتي المباشرة ارى ان المسرح السعودي اليوم لا يمكن النظر اليه بوصفه تجربة ناشئة او معزولة عن حركة المسرح العربي فقد شاهدت العديد من العروض السعودية في مهرجانات عربية ودولية كما اتيحت لي فرصة متابعة التجربة من داخل المملكة خلال مشاركتي في مهرجان المسرح الخليجي في الرياض ثم من خلال عملي عضوا في لجنة تحكيم مهرجان مسرح الرياض
ما شاهدته كان تجربة متنوعة فيها عروض متقدمة على مستوى التأليف والاخراج والسينوغرافيا وبناء الصورة المسرحية وهناك تجارب مهمة لا تأتي من الرياض وحدها، بل من مدن ومناطق مختلفة في المملكة وتحمل قراءات متجددة ووعيا واضحا في تشكيل بنية العرض
خلال السنوات الاخيرة حدث تحول واضح في السياسة الثقافية السعودية ولم يقتصر هذا التحول على المسرح، بل امتد الى الموسيقى والادب والفنون المختلفة وهذا يدل على وجود رؤية واستراتيجية تعمل على بناء بيئة ثقافية وتطوير الطاقات الشابة وفتح المجال امام الخبرة والتجريب
وبالتأكيد لا يمكن ان نتعامل مع اي تجربة مسرحية بوصفها تجربة مكتملة فالمسرح السعودي مثل بقية المسارح العربية فيه تجارب متقدمة وفيه ايضا استسهال او استهلاك او محاكاة لتجارب عالمية لكن ما يهمني هو وجود جيل من الفنانين والكتاب والمخرجين والسينوغرافيين والتقنيين والباحثين الذين يعملون بجدية على بناء تجربة لها حضورها كما ان ما تقدمه هيئة المسرح والفنون الادائية يمثل خطوة مهمة في بناء منظومة مسرحية وثقافية أكثر استمرارا
وتجمعني علاقات فنية ومسرحية مع نخبة من الفنانين والنقاد والكتاب والباحثين والمخرجين والتقنيين السعوديين الذين يمتلكون تجارب مهمة وحقق بعضهم حضورا عربيا وهذا يجعلني ارى المشهد من خلال الممارسة والاحتكاك الحقيقي وليس من بعيد.

في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية التي يعيشها العالم العربي ما القضية المسرحية التي ترون ان النقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام ولماذا؟ 

ارى ان القضية التي لم يمنحها النقد العربي ما تستحقه من اهتمام هي التحول العميق الذي حدث في بنية العرض المسرحي وفي طبيعة العناصر التي تنتج معناه
ما زال جزء من الخطاب النقدي يتعامل مع العناصر السينوغرافية بوصفها مكونات تحيط بالفعل المسرحي او تكمله بينما اصبحت هذه العناصر تمثل البنية الحية للعرض والمساحة التي تتحول فيها الفكرة الى صورة والصورة الى تجربة حسية والتجربة الى معنى يبقى في ذاكرة المتلقي
الاضاءة لم تعد مجرد انارة، بل اصبحت هندسة للإدراك البصري تعيد تشكيل الكتل وتوجه عين المتلقي وتصنع ايقاع الصورة والديكور لم يعد خلفية ثابتة، بل شريكا في بناء الفضاء والفعل الدرامي كما اصبحت الازياء والاكسسوار والمكياج والاقنعة انظمة بصرية تعيد تشكيل هوية الجسد ودلالته داخل الفراغ واصبحت المنظومة السمعية فضاء موازيا للصورة يبني الزمن والايقاع ويؤثر في إدراك المكان
ومع التحول الرقمي لم تعد التقنية اداة مساعدة خلف العرض، بل اصبحت شريكا في التفكير المسرحي نفسه ودخلت الوسائط الرقمية والانظمة التفاعلية والذكاء الاصطناعي في صناعة الفضاء وادارة الصورة وانتاج الدلالة
لكن جزءا من النقد العربي ما زال يقرا هذه العناصر بصورة منفصلة او يضعها في مرتبة تالية للنص والاخراج وهنا نشأت فجوة بين عرض يتغير بسرعة وادوات نقدية لا تزال تنظر اليه من مركز قديم
لذلك نحن بحاجة الى نقد ينتقل من قراءة العناصر منفصلة الى قراءة العلاقات التي تتشكل بينها لان معنى العرض المعاصر لم يعد ينتجه عنصر واحد، بل يتولد من التفاعل بين الجسد والضوء والكتلة والصوت والصورة والتقنية والسؤال اليوم ليس فقط ماذا يقول العرض، بل كيف يفكر وكيف يبني معناه. 

هل تعتقدون ان الكتابة عن المسرح اصبحت اليوم تواكب تطور الممارسة المسرحية العربية ام انها ما تزال اسيرة المناهج التقليدية والمفاهيم الكلاسيكية؟

هناك تجارب نقدية عربية مهمة لكن الممارسة المسرحية في كثير من الاحيان تتحرك أسرع من الكتابة عنها فالعرض المسرحي دخل اليوم الى فضاءات جديدة وتداخل مع الصورة الرقمية والوسائط التفاعلية وتغيرت علاقة الجسد بالمكان وعلاقة الصورة بالزمن بينما ما زالت بعض الكتابات تبحث عن تفسير هذه التحولات داخل قوالب جاهزة
المشكلة ليست في المناهج التقليدية لأنها تمثل ذاكرة معرفية مهمة، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المنهج الى سلطة على العمل الفني فنطلب من العرض الجديد ان يتطابق مع مفاهيم سابقة بدلا من ان نطور ادواتنا لفهم ما يحدث امامنا
النقد الحقيقي في رأيي لا يفرض على العرض طريقة جاهزة لقراءته، بل يدخل الى نظامه الداخلي ويكتشف منطقه وعلاقاته وتحولاته ونحن اليوم بحاجة الى كتابة تعرف المسرح بوصفه ممارسة حية وتفهم التقنية والفضاء والصورة بقدر فهمها للنص والاخراج والتمثيل لان الكتابة عن عرض معاصر بأدوات لا ترى تحولاته تجعل النقد يوثق الماضي أكثر مما يقرا الحاضر.

كيف يمكن للمسرح العربي ان يحافظ على خصوصيته الثقافية والجمالية من دون ان ينغلق على نفسه او يتحول الى مجرد محاكاة للتجارب المسرحية العالمية؟

الخصوصية في رأيي ليست شكلا جاهزا وليست زيا تراثيا او مفردة شعبية نضعها على الخشبة لكي نقول ان هذا عرض عربي فالهوية الحقيقية توجد في طريقة رؤيتنا للعالم وفي علاقتنا بالمكان والذاكرة والجسد والتحولات التي عاشها الانسان العربي
نحن نعيش في مدن تغيرت ومجتمعات مرت بحروب وهجرات وتحولات اجتماعية ورقمية كبيرة وهذه التجربة قادرة على انتاج لغة مسرحية خاصة إذا تعاملنا معها بوصفها مادة للتفكير وليست مجرد موضوع للحكاية
يمكن للمسرح العربي ان يستخدم أحدث التقنيات وان يدخل في حوار مع التجارب العالمية من دون ان يفقد خصوصيته لان التقنية لا تملك هوية نهائية وانما تأخذ معناها من الرؤية التي تستخدمها
انا لا اومن بمسرح يغلق ابوابه باسم الهوية ولا بمسرح يفتحها لكي ينسخ ما يأتي من الخارج، بل اومن بمسرح يعرف من اين ينطلق ويملك الحرية في ان يذهب الى اي مكان. 

إذا طلب منكم اعادة كتابة كتابكم اليوم بعد سنوات من صدوره فما الفكرة او الفصل الذي ستعيدون النظر فيه في ضوء التحولات الفكرية والمسرحية الراهنة؟ 

لو اعدت كتابة الكتاب اليوم فلن اغير السؤال الاساسي بقدر ما سأوسع حدود المنظومة التي يتحرك داخلها
عندما كتبت عن تغير المكان كنت ابحث في العلاقة بين انتقال العرض وتغير الفضاء ال…

كيف كان تعاون الهيئة العربية للمسرح في اتمام فصول الكتاب؟

تجربتي مع الهيئة العربية للمسرح لم تتوقف عند اصدار الكتاب ونشره، بل امتدت الى ما هو ابعد من ذلك فالهيئة منحت الكتاب انتشارا واسعا على مستوى الوطن العربي وادخلته ضمن برامجها المعرفية ومنها مبادرة اقرا كتب الهيئة التي لا تتعامل مع الكتاب بوصفه اصدارا يوضع على الرف، بل تعيده الى دائرة القراءة والحوار من خلال اتاحته للقارئ والمثقف والنخبة المسرحية ثم فتح جلسات مباشرة لمناقشة محتواه مع المؤلف
وهنا ارى اهمية هذه التجربة لان الكتاب بعد صدوره يبدا حياة اخرى من خلال القارئ وما يطرحه من اسئلة ومناقشات تكشف محطات جديدة في البحث وتعيد قراءة المعرفة المسرحية من زوايا مختلفة
هذا التعاون لم يتوقف عند الكتاب، بل فتح لي افاقا اخرى مع الهيئة حيث تم اعتمادي خبيرا في فضاء العرض المسرحي والسينوغرافيا وشاركت من خلال برامجها في تقديم ورش ومختبرات فنية وتكوينية في عدد من البلدان العربية منها ليبيا ومصر
وهذا ما يميز الهيئة العربية للمسرح برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي فهي لا ترعى الاصدار بمعزل عن صاحبه، بل تتابع المنجز وتفتح امام الباحث والممارس مساحات جديدة ليحول المعرفة من كتاب الى حوار ومن بحث الى تدريب ومن تجربة فردية الى معرفة تتداول داخل المشهد المسرحي العربي
ولدي تجربة اخرى مع كتاب جماليات المنظر الرقمي في عروض المسرح المعاصر الذي جاء من اطروحة الدكتوراه وصدرت منه طبعة اولى محدودة وهذه التجربة جعلتني أدرك بصورة أكبر قيمة المؤسسة القادرة على منح المنجز امتداده الحقيقي فالكتاب لا يصنع حضوره بالطباعة وحدها، بل بالمنظومة الثقافية التي تحمله الى القارئ وتفتح حوله الحوار وتعيده مرة اخرى الى الخشبة والمختبر والتجربة. 

ما الدور الذي ينبغي ان تضطلع به المؤسسات الثقافية وفي مقدمتها الهيئة العربية للمسرح في دعم التأليف المسرحي والبحث الأكاديمي بحيث لا يقتصر الدعم على انتاج العروض، بل يمتد الى بناء مشروع معرفي عربي متكامل حول المسرح؟

اعتقد ان الدور الحقيقي للمؤسسات الثقافية اليوم يجب ان يتجاوز دعم الانتاج المسرحي الى الاستثمار في المعرفة التي تطور هذا الانتاج لان المسرح العربي لا يحتاج الى مزيد من العناوين المستهلكة والبحوث التي تعيد انتاج الاسئلة نفسها بقدر حاجته الى قراءات متقدمة تفتح مناطق جديدة في النقد والتمثيل والاخراج والسينوغرافيا وتقنيات العرض
في الوطن العربي هناك مؤسسات مهمة منها الحكومية ومنها مؤسسات القطاع الخاص تعمل وفق استراتيجيات حقيقية في بناء المنظومة الثقافية وفق روى منهجية واضحة وهناك فرق كبير بين مؤسسة تستهلك النشاط الثقافي ومؤسسة تستثمر فيه فالمهرجان ينتهي والعرض يغادر الخشبة لكن المعرفة التي تنتج حول التجربة يمكن ان تبقى وتتطور وتتحول الى مرجع لجيل اخر لذلك فان حماية المؤلف والباحث ودعم البحث الأكاديمي ليست مسالة نشر فقط، بل هي بناء بيئة تربط البحث بالممارسة والتنظير بالمختبر والنقد الحقيقي بتحليل العرض وتحولاته
وهنا تبرز تجربة الهيئة العربية للمسرح بوصفها مشروعا لا ينظر الى المسرح من زاوية واحدة فهي تعمل على التأليف والبحث والنشر والتدريب والمختبرات وتفتح مساحات لمسرح الطفل والدمى والعرائس والمسرح المدرسي الى جانب المسرح الاحترافي كما ترافق مهرجان المسرح العربي ببرامج فكرية وجمالية تبحث باستمرار عن اسئلة وعناوين جديدة
ما يهمني في هذه التجربة هو ان الهيئة لا تفصل المنجز عن صاحب المنجز، بل تتابع الباحث والفنان وتفتح امامه مساحات جديدة للحوار والتدريب والتجريب وقد عشت هذا شخصيا من خلال الرعاية والاهتمام والدعم الذي وجدته من الامانة العامة للهيئة ومن منظومة العمل فيها
ومن المؤسسات المهمة ايضا ادارة المسرح ودائرة الثقافة في الشارقة من خلال انشطتها وبرامجها التعليمية والتكوينية التي تعمل على اعداد جيل مسرحي متقدم وهذا يدل على مدى الاهتمام بالجانب الثقافي والممارسة المسرحية بمختلف تخصصاتها
وهذه الرؤية لا تنفصل عن المشروع الثقافي في الشارقة برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي منح المسرح مكانة تتجاوز فكرة النشاط الفني الى دوره في بناء الانسان والمجتمع
اليوم نحن بحاجة الى مؤسسات تعمل بهذا الوعي لان تطور المسرح لا يصنعه العرض وحده، بل يصنعه التشابك بين الممارسة والبحث والنقد والتأليف والتجريب وعندما يتحول هذا التشابك الى مشروع مستمر نغادر ثقافة الاستهلاك والتكرار ونذهب نحو انتاج معرفة مسرحية عربية قادرة على تطوير الممارسة والارتقاء بالذائقة وطرح اسئلة جديدة حول الانسان ووجوده داخل هذا العالم

ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية؟ 

من خلال متابعتي ومشاهداتي المباشرة ارى ان المسرح السعودي اليوم لا يمكن النظر اليه بوصفه تجربة ناشئة او معزولة عن حركة المسرح العربي فقد شاهدت العديد من العروض السعودية في مهرجانات عربية ودولية كما اتيحت لي فرصة متابعة التجربة من داخل المملكة خلال مشاركتي في مهرجان المسرح الخليجي في الرياض ثم من خلال عملي عضوا في لجنة تحكيم مهرجان مسرح الرياض
ما شاهدته كان تجربة متنوعة فيها عروض متقدمة على مستوى التأليف والاخراج والسينوغرافيا وبناء الصورة المسرحية وهناك تجارب مهمة لا تأتي من الرياض وحدها، بل من مدن ومناطق مختلفة في المملكة وتحمل قراءات متجددة ووعيا واضحا في تشكيل بنية العرض
خلال السنوات الاخيرة حدث تحول واضح في السياسة الثقافية السعودية ولم يقتصر هذا التحول على المسرح، بل امتد الى الموسيقى والادب والفنون المختلفة وهذا يدل على وجود رؤية واستراتيجية تعمل على بناء بيئة ثقافية وتطوير الطاقات الشابة وفتح المجال امام الخبرة والتجريب
وبالتأكيد لا يمكن ان نتعامل مع اي تجربة مسرحية بوصفها تجربة مكتملة فالمسرح السعودي مثل بقية المسارح العربية فيه تجارب متقدمة وفيه ايضا استسهال او استهلاك او محاكاة لتجارب عالمية لكن ما يهمني هو وجود جيل من الفنانين والكتاب والمخرجين والسينوغرافيين والتقنيين والباحثين الذين يعملون بجدية على بناء تجربة لها حضورها كما ان ما تقدمه هيئة المسرح والفنون الادائية يمثل خطوة مهمة في بناء منظومة مسرحية وثقافية أكثر استمرارا
وتجمعني علاقات فنية ومسرحية مع نخبة من الفنانين والنقاد والكتاب والباحثين والمخرجين والتقنيين السعوديين الذين يمتلكون تجارب مهمة وحقق بعضهم حضورا عربيا وهذا يجعلني ارى المشهد من خلال الممارسة والاحتكاك الحقيقي وليس من بعيد
بالنسبة لي لا افصل نجاح المسرح السعودي عن نجاح المسرح العربي فعندما يقدم عرض عراقي، او سعودي، او تونسي او مصري او مغربي او جزائري او اماراتي او من اي بلد عربي تجربة مهمة في العالم اشعر ان هذا العرض يمثل جزءا من الفضاء الثقافي الذي انتمى اليه
القضية اليوم ليست في ان نلاحق التطور العالمي او نستهلك تقنياته، بل في قدرتنا على استثماره داخل بنية العرض وتحويله الى معرفة وتجربة تحمل رؤيتنا الخاصة وعندما يحدث ذلك لا نكون مجرد متلقين للتحول، بل نصبح شركاء في انتاجه