حوار - حسين السنونة
ترى الكاتبة والناقدة د. عمرة ثاري الرشيدي في حديثها مع صحيفة «النهار» أن كتابها «الشخصية في المسرحية النثرية السعودية – دراسة إنشائية» خلاصة رحلة علمية وبحثية امتدت لسنوات، انطلقت من سؤال ظل يشغلها: كيف تُبنى الشخصية في المسرحية السعودية؟ وكيف تعكس تحولات المجتمع السعودي وتطوراته؟ وقد تناولت فيه البناء الإنشائي للشخصية في المسرحية النثرية السعودية، من خلال تحليل علاقتها بالحدث، والزمان، والمكان، واللغة، والصراع، للكشف عن الآليات الفنية التي أسهمت في تشكيل الشخصية المسرحية السعودية، وإبراز خصوصيتها في سياق المسرح العربي. ولا يقتصر الكتاب على دراسة الشخصيات، بل يحاول تقديم رؤية نقدية تكشف كيف يسهم بناء الشخصية في إنتاج المعنى، وفي التعبير عن التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية. وتطمح إلى أن يكون هذا العمل إضافة للمكتبة المسرحية السعودية والعربية، وأن يفتح آفاقاً لدراسات نقدية جديدة.
في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية التي يعيشها العالم العربي، ما القضية المسرحية التي ترون أن النقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام، ولماذا؟
أرى أن من أبرز القضايا التي لم تنل ما تستحقه من الاهتمام النقدي بناء الشخصية المسرحية؛ فهي ليست مجرد عنصر من عناصر النص، بل هي الحامل الرئيس للرؤية الفكرية والإنسانية، ومن خلالها تتجسد التحولات الاجتماعية والثقافية والنفسية التي يعكسها المسرح.
لقد انشغل جانب من النقد العربي بتحليل البنية الدرامية، أو جماليات العرض، أو المناهج النقدية، بينما بقي السؤال الجوهري: كيف تُبنى الشخصية؟ وكيف تُنتج دلالاتها داخل النص المسرحي؟ سؤالًا يستحق مزيدًا من البحث والتأمل.
واليوم، في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية المتسارعة، أصبحت الشخصية المسرحية أكثر تعقيدًا وتعددًا، ولم يعد من الممكن قراءتها بالأدوات التقليدية وحدها، بل باتت بحاجة إلى مقاربات نقدية تستوعب هذه المتغيرات، وتكشف أثرها في تشكيل الشخصية المسرحية وتحولاتها.
ومن هذا المنطلق جاء كتابي «الشخصية في المسرحية النثرية السعودية – دراسة إنشائية»، الذي حاولت من خلاله تقديم قراءة نقدية تتجاوز الوصف إلى تحليل آليات بناء الشخصية، والكشف عن دورها في تشكيل المعنى، بوصفها مرآةً للمجتمع وتجسيدًا لتحولاته الفكرية والثقافية.
هل تعتقدون أن الكتابة عن المسرح أصبحت اليوم تواكب تطور الممارسة المسرحية العربية، أم أنها ما تزال أسيرة المناهج التقليدية والمفاهيم الكلاسيكية؟
أرى أن الكتابة المسرحية العربية شهدت تطورًا ملحوظًا، إلا أن الممارسة المسرحية تتقدم أحيانًا بخطوات أسرع من النقد. فالعروض المسرحية اليوم أصبحت أكثر انفتاحًا على التقنيات الرقمية، والوسائط المتعددة، والذكاء الاصطناعي، بينما ما تزال بعض القراءات النقدية تعتمد أدوات لا تستوعب تمامًا طبيعة هذه التحولات.
ولا يعني ذلك التخلي عن المناهج الكلاسيكية، فهي تمثل أساسًا معرفيًا مهمًا، لكن المطلوب هو تجديد أدوات القراءة، حتى يظل النقد شريكًا في تطوير المسرح، لا مجرد متابع له.
كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على خصوصيته الثقافية والجمالية، من دون أن ينغلق على نفسه أو يتحول إلى مجرد محاكاة للتجارب المسرحية العالمية؟
الهوية الثقافية ليست انغلاقًا، كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان. والمسرح العربي يمتلك إرثًا حضاريًا وثقافيًا غنيًا يؤهله لإنتاج خطاب مسرحي معاصر ينطلق من واقعه، ويخاطب العالم بلغة فنية راقية.
وأرى أن كل تجربة مسرحية عالمية عظيمة انطلقت من بيئتها المحلية قبل أن تصبح تجربة إنسانية، ولذلك فإن العالمية لا تتحقق بتقليد الآخر، وإنما بالقدرة على تقديم الذات بصدق وإبداع، مع الانفتاح الواعي على التجارب الإنسانية.
حدثينا عن فكرة كتابك «الشخصية في المسرحية النثرية السعودية – دراسة إنشائية».
يمثل هذا الكتاب «الشخصية في المسرحية النثرية السعودية – دراسة إنشائية» خلاصة رحلة علمية وبحثية امتدت لسنوات، انطلقت من سؤال ظل يشغلني: كيف تُبنى الشخصية في المسرحية السعودية؟ وكيف تعكس تحولات المجتمع السعودي وتطوراته؟
وقد تناولت فيه البناء الإنشائي للشخصية في المسرحية النثرية السعودية، من خلال تحليل علاقتها بالحدث، والزمان، والمكان، واللغة، والصراع، للكشف عن الآليات الفنية التي أسهمت في تشكيل الشخصية المسرحية السعودية، وإبراز خصوصيتها في سياق المسرح العربي.
ولا يقتصر الكتاب على دراسة الشخصيات، بل يحاول تقديم رؤية نقدية تكشف كيف يسهم بناء الشخصية في إنتاج المعنى، وفي التعبير عن التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية. وأطمح أن يكون هذا العمل إضافة للمكتبة المسرحية السعودية والعربية، وأن يفتح آفاقًا لدراسات نقدية جديدة.
كيف كان تعاون الهيئة العربية للمسرح في إتمام الكتاب؟
أعتز كثيرًا بتجربتي مع الهيئة العربية للمسرح، فقد لمست منها احترافية عالية، واهتمامًا صادقًا بالبحث العلمي، وإيمانًا بأن النهضة المسرحية لا تقوم على إنتاج العروض فحسب، بل على المعرفة والتوثيق والدراسات الأكاديمية.
وقد جاء إصدار الكتاب ضمن منشورات الهيئة ليؤكد دورها في دعم الباحثين والنقاد، وإثراء المكتبة المسرحية العربية، وتعزيز حضور الدراسات المتخصصة، وهو دور مهم في بناء مشروع معرفي عربي يواكب تطور الحركة المسرحية.
ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها الهيئة العربية للمسرح، في دعم التأليف المسرحي والبحث الأكاديمي؟
أرى أن الهيئة العربية للمسرح تؤدي دورًا بارزًا في خدمة المسرح العربي، وقد أسهمت في تعزيز حضوره من خلال مبادراتها المتنوعة في النشر، والملتقيات الفكرية، والمهرجانات، ودعم الحراك المسرحي العربي. وأعتز بأن يكون كتابي ضمن إصداراتها، وهو ما يعكس اهتمامها بالبحث الأكاديمي إلى جانب دعم الإبداع المسرحي.
أما المؤسسات الثقافية عمومًا، فأرى أن رسالتها تتجاوز رعاية الفعاليات والبرامج الثقافية إلى بناء بيئة معرفية مستدامة، تحتضن الباحثين والمؤلفين، وتشجع الإنتاج الفكري، وتدعم حركة النشر والترجمة والتوثيق، وتُسهم في حفظ الذاكرة الثقافية، لأن نهضة المسرح لا تقوم على العروض وحدها، بل على منظومة متكاملة تجمع بين الإبداع والمعرفة والبحث العلمي.
وأؤمن بأن العلاقة بين الإبداع والبحث العلمي علاقة تكامل؛ فكلما ازدهر أحدهما، انعكس أثره على الآخر، وهو ما يجعل المعرفة ركيزة أساسية لاستدامة أي مشروع مسرحي.
ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية؟
أرى أن المسرح السعودي يعيش اليوم مرحلة استثنائية، مدعومة بالحراك الثقافي الذي تشهده المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، التي جعلت الثقافة والفنون جزءًا من مشروع التنمية الوطنية، وأسهمت في إيجاد بيئة حاضنة للإبداع والمبدعين.
وقد انعكس ذلك في تنوع المهرجانات المسرحية، وتطور الإنتاج، وظهور مبادرات ومؤسسات ثقافية متخصصة، إلى جانب الحضور المتنامي للمسرحيين السعوديين في المحافل العربية والدولية.
كما أن التوسع في التعليم الفني المتخصص، ومن ذلك إطلاق جامعة الرياض للفنون، يعكس إيمان المملكة بأهمية إعداد جيل جديد من الفنانين والباحثين، وهو ما يعزز استدامة الحراك المسرحي، ويرسخ مكانة المملكة بوصفها مركزًا ثقافيًا فاعلًا في المنطقة.
يلاحظ أن هناك فترات تفاؤل لدى المسرحيين السعوديين، وأخرى تشهد شيئًا من التراجع، فما السبب في رأيك؟
الحركة المسرحية، كغيرها من الحركات الثقافية، تمر بمراحل ازدهار وهدوء، وتتأثر بعوامل متعددة، منها البيئة الثقافية، والدعم المؤسسي، والتحولات الاجتماعية.
لكن ما يدعو إلى التفاؤل اليوم هو أن المسرح السعودي لم يعد قائمًا على الجهود الفردية، بل أصبح جزءًا من منظومة ثقافية متكاملة، لها رؤيتها، ومؤسساتها، ومبادراتها، الأمر الذي يمنحه قدرة أكبر على الاستمرار والتطور.
وأرى أن المستقبل يحمل فرصًا واعدة للمسرح السعودي، إذا استمر الاهتمام بالتأليف، والنقد، والبحث العلمي، إلى جانب دعم التجارب الإبداعية الشابة.
وأؤمن أن المسرح ليس مجرد فن يُقدَّم على الخشبة، بل هو مشروع حضاري يصنع الوعي، ويحفظ الذاكرة، ويمنح الإنسان فرصة دائمة لأن يرى ذاته والعالم بعيون أكثر اتساعًا.