النهار

١٨ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ يوليو-٢٠٢٦       2585

بقلم ـ الدكتور / مطيران علي النمس

واحدة من أكثر الجمل تأثيراً على شخصية الأطفال " إذا كان فلان من يدق الباب قل له اني غير موجود " مما يعلمهم الكذب الذي يتطور مع مراحل العمر، جان بياجيه أحد علماء النفس أوضح أن فهم الأطفال للصدق والكذب يتطور مع العمر، وأن إدراكهم للقيم الأخلاقية ينضج تدريجيًا مع تطور قدراتهم العقلية فكيف نريد طفلاً ينشأ على الصدق والأمانة في الكبر وهو قد تعلم فنون الكذب والاحترافية في الحيل والمراوغة وهو الصغر .

مثل هذه المعاملات قد تنعكس على شخصية الأطفال في حياتهم وقد تمتد على مختلف معاملاتهم مع غيرهم في المجتمع وتؤثر فيهم عاطفياً ونفسياً ويبدؤون في تغليب المصلحة الشخصية على العلاقات الشخصية ويوظفونها بطريقة غير جيدة مما يفقد العلاقات الانسانية قيمتها ورونقها وتبدو باهته وليس لها أي معنى .

هذا السلوك قد يكتسب من خلال البيئة التي يعيش فيها هؤلاء الاطفال الذي تعلموا الكذب والخداع والمكر ويتأثر بهم كثير ويبدأ هذه السلوك في التغلل في النفوس وينكس أثره على أعملهم وصدقاتهم المجتمعية وهنا تظهر بوادر القلق والتوتر والإحساس بالخيبة بعد فقدانهم للأصدقاء وتجد البعض منهم ينزوي إلى ركن غير رشيد للبحث عن ذاته وعن المصداقية التي فقدت في متاهات الحياة وفي مجالسها ويرى بعين سوداوية لمن حوله بأن كل من يحيط به ليس للصداقة الحقيقة بقدر ما هو للمصلحة أما  الصادقون  الذي لم يمارسوا الكذب ولم يتعلمونه يأتون لوحدهم بوفاء ولكن لم يجدوا الكاذبون الذين وعدوه بكثير من الأشياء التي ذهبت ادراج الحياة وتجدون يجلسون على طاولة الحياة لوحدهم لأنه ما زالوا ينتظرون من يأتي ويبرر لهم الغياب .

 

 

 

 

 

 

الشاعرالجميل عبدالله علوش في مطلع قصيدة يقول ويتساءل :

يا طاولة مالِك زباين وفِيّين؟

قالت: بلى لكن قليلٍ بقى

كلٍ يجيني لين يقضي مآربه

والصادقين يجون دايم فرادى

 

هو يدرك أن الطاولة ليست وحيدة لأنها بلا زبائن، بل لأنها تعبت من كثرة العابرين والتي يجلس عليها الجميع، يضحكون و يتحدثون ثم يرحلون بذكرياتهم وقد تكون أحاديثهم غير صادقة لكنها مجرد وسيلة لتمضية الوقت أما من يأتي بقلب صادق فلا يحتاج إلى ضجيج الرفقة بل يأتي وحده ويترك خلفه أثراً لا يزول

فدائماً تأكد بأنه ليست كثرة الوجوه دليلًا على الوفاء فبعض الأماكن تعرف الناس أكثر مما يعرفون أنفسهم وهذه الطاولة التي شهدت مئات أو آلاف اللقاءات تعلم أن الصادقين لا يكثرون وأن أكثر العلاقات ازدحاماً قد تكون أقلها أخلاصاً بينما يأتي الوفي منفردًا يحمل حضوره الصادق فيملأ المكان أكثر من جمع كامل فالكثرة لا تعني الوفاء والوحدة أليست دائماً ضعفاً. فاجتماعيا إذا كانت الطاولة يحتلها ويجلس حولها أكثر من شخص قد تكون مصداقية الحوار والجلسة مفقودة بينما عاطفياً تجد من يجلس لوحده على طاولة فهو يعيش في مرحلة خذلان من شخص كان ينتظره فغاب وغاب معه حتى كرسيه الذي كان يجلس عليه ولم يأت وبقي الصادق في انتظاره فالصدق ليس مجرد قول الحق بل هو أسلوب حياة يظهر في الكلام والأفعال والوفاء بالوعود والإخلاص في العمل.