بقلم -عبدالرحمن الفهمي
ليست السرقة دائمًا اقتحامًا لباب أو كسرًا لقفل، وليست الخيانة دائمًا استيلاءً على مال. فهناك من يسرق الثقة، ويسلب الحقوق، ويتاجر بالمبادئ، ثم يرتدي ثوب الفضيلة وكأنه أحد حراسها. وهنا يلتقي النفاق مع السرقة؛ فالأول يخفي الحقيقة، والثاني يعتدي عليها.
المنافق لا يعيش بوجه واحد، بل يبدل مواقفه بحسب المصلحة، ويزن كلماته بميزان المكاسب، لا بميزان المبادئ. يبتسم في حضورك، ويطعن في غيابك، يمدح حين ينتفع، ويهاجم حين تنقطع المنفعة. أما اللص، فلا يقتصر ضرره على المال، بل قد يسرق الأمانة، ويغتال الثقة، ويهدم ما بناه الآخرون بسنوات من الجهد.
وإذا اجتمع النفاق مع السرقة، أصبح الخطر أكبر؛ إذ تتحول الخيانة إلى منهج، والكذب إلى وسيلة، والتضليل إلى عادة. فمثل هؤلاء لا يكتفون بالاعتداء على حقوق الناس، بل يحاولون تزيين أفعالهم، وقلب الحقائق، وإظهار أنفسهم في صورة الضحية أو المصلح، بينما الحقيقة تكشفها الأيام مهما طال الزمن.
ولقد أثبتت التجارب أن المال المسروق لا يصنع مجدًا، وأن الخداع لا يبني سمعة، وأن من يقوم نجاحه على الكذب والتلاعب إنما يقف على أرض هشة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار. فالصدق يبقى، والأمانة ترفع صاحبها، أما النفاق والسرقة فلا يورثان إلا فقدان الثقة وسقوط المكانة.
إن المجتمعات القوية لا تقوم على كثرة الشعارات، بل على صدق الرجال، وحفظ الحقوق، وصيانة الأمانات. وكلما ارتفع شأن الصادقين، ضاقت المساحة أمام المنافقين وأصحاب الأيدي العابثة.
وفي النهاية، يبقى التاريخ منصفًا؛ فهو لا يحفظ أسماء من جمعوا المال بالخداع، ولا من لبسوا أقنعة الفضيلة وهم يخفون وجوهًا أخرى، وإنما يخلد أصحاب المواقف الصادقة والأيدي النظيفة. فالحق قد يتأخر ظهوره، لكنه لا يغيب، والباطل قد يعلو صوته، لكنه لا يدوم