الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ يوليو-٢٠٢٦       27665

بقلم - د. شادي الكفارنه 
في غزة نبحث كما يبحث كل البشر عن السعادة، نسعى إليها في تفاصيل حياتنا الصغيرة، ونفتش عنها، ونحاول أن نصنعها رغم قسوة الظروف، لكن المؤلم أن معظم محاولاتنا تنتهي إلى خيبة وألم، لأننا نعيش واقعًا استثنائيًا حرمنا من أبسط مقومات الحياة الطبيعية، إذ إن غزة قد أثقلتها أزمات الحروب،  وأنهكتها سنوات من المعاناة والفقدان، فأصبحت السعادة شعورًا مفقودًا، وأصبح الوصول إليها أكثر صعوبة مع كل يوم يمر، فبتنا نعيش مسلوبي السعادة، محطمي الإرادة، مثقلين بالهموم والأوجاع التي تراكمت فوق صدورنا حتى خنقت أحلامنا وآمالنا ، لقد فقدنا معنى السعادة لأننا فقدنا الكثير من الأشياء التي تمنح للحياة معناها، فقدنا الشعور بالأمان، وفقدنا الاستقرار، وفقدنا القدرة على التخطيط للمستقبل، حتى أصبحنا نشعر أننا فقدنا الماضي والحاضر والمستقبل معًا، بعدما سُلب منا الكثير مما نحب، وتبددت أحلام كانت يومًا قريبة المنال ، سُلب منا الحب والحنان، وفقدنا أحبةً رحلوا تحت وطأة حرب الإبادة ، وعشنا مشاهد النزوح والتشريد والفقدان، ورأينا بيوتًا تهدمت فوق ذكرياتها، وأحلامًا تكسرت قبل أن تكتمل، وذقنا مرارة الجوع والخوف والانتظار، وعشنا تفاصيل قاسية تركت آثارها في أرواحنا قبل أجسادنا.
نتساءل كل يوم !!
من أين تأتي السعادة ونحن نعيش هذا الكم من المعاناة؟ كيف يمكن أن نستشعر الفرح بينما نخشى على حياتنا ومستقبل أطفالنا وأهلنا؟ وكيف يمكن أن تزهر السعادة في واقع تحاصره الأزمات وتثقل كاهله الخسائر المتلاحقة؟
كلما حاولنا أن نقترب من السعادة أبعدتها عنا الظروف القاسية، وكلما سعينا إلى صناعة لحظة فرح اصطدمنا بواقع مليء بالألم والحرمان ،ومع ذلك فإننا لا نتوقف عن البحث عنها، لأن الإنسان بطبيعته خُلق ليتمسك بالأمل مهما اشتدت المحن ، ورغم كل ما مر بنا وما زلنا نعيشه، فإننا نؤمن أن السعادة ليست ترفًا، بل حق إنساني أصيل،  من حقنا أن نعيش بأمن وكرامة واستقرار، وأن نحلم بمستقبل أفضل لأطفالنا وأجيالنا القادمة، وما زلنا نتمسك بالأمل، لأنه الشيء الوحيد الذي لم تستطع الحروب أن تنتزعه من قلوبنا لذا نقول : إن  السعادة المفقودة  في غزة ليست مجرد شعور غائب بل هي قصة شعب كامل حُرم من أبسط حقوقه الإنسانية،  ومع ذلك ما زال  يقارع الحياة ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وننتظر اليوم الذي نستعيد فيه حياتنا الطبيعية، ونستعيد معه حقنا في الفرح، وحقنا في أن نعيش كما يعيش سائر البشر بأمن وسلام وسعادة.