الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ يوليو-٢٠٢٦       3245

بقلم : د . شادي الكفارنه
نحاول في  غزة  أن نعيش حياة طبيعية ونتمسك بما تبقى من مقومات الاستقرار والأمان، لكننا نعيش واقعاً تجاوز الخيال، حيث أصبحت أبسط الحقوق الإنسانية أحلامًا بعيدة المنال، النوم لم يعد ملاذاً للراحة؛ فداخل الخيام المهترئة التي حلت محل البيوت، توقظنا الحشرات ودرجات الحرارة العالية من أي حلم جميل، لنعود إلى واقع يفتقر إلى الخصوصية والاستقرار،  أما ساعات اليقظة فتثقلها المعاناة اليومية التي لا تترك مجالاً للهدوء أو التأمل.
في زمن يتسابق فيه العالم نحو التقدم، وجد سكان  غزة  أنفسهم يعودون قسراً إلى وسائل حياة بدائية؛ فالعربات التي تجرها الدواب أصبحت وسيلة نقل مألوفة، والحطب عاد مصدراً أساسياً لإعداد الطعام، أما الماء وهو أبسط حقوق الإنسان، فأصبح سلعة نادرة، وغالباً ما يكون غير صالح للاستخدام الآمن، ومع تدهور البنية التحتية وانتشار التلوث، تتفاقم المخاطر الصحية والبيئية يوماً بعد يوم، و تُستخدم أشعة الشمس لتسخين المياه في ظل انقطاع مصادر الطاقة ، كما يواجه المرضى نقصاً حاداً في الخدمات الطبية والأدوية، بينما يحاول الطلبة مواصلة تعليمهم وسط الدمار أو داخل خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من الإمكانات ، وتزداد قسوة المشهد مع انتشار الحشرات والقوارض في أماكن النزوح، في وقت يشعر فيه الفلسطيني بأنه أصبح غريباً في أرضه بعد أن فقد منزله واستقراره، وأصبح التنقل بحثاً عن مأوى جزءاً من حياته اليومية.
كما طالت التحولات مختلف جوانب الحياة الاجتماعية؛ فاستُبدلت الزيارات العائلية بزيارات المقابر، والعمل والإنتاج بالانتظار في طوابير المساعدات، والذهاب إلى المدارس والجامعات بالبحث عن الماء والغذاء، وتحولت الشوارع والمباني إلى مشاهد من الركام والخراب تعكس حجم الكارثة التي أصابت المكان.
وفي خضم هذه الظروف، لم تتضرر المظاهر المادية فقط، بل اهتزت منظومة الحياة بأكملها؛ فحلّ الخوف محل الأمن، والفوضى محل الاستقرار، والحرمان محل كثير من الحقوق الأساسية،  ومع ذلك يواصل الفلسطينيون معركتهم اليومية للحفاظ على إنسانيتهم وتمسكهم بالحياة.
هذه هي  غزة  اليوم؛ مكان أصبح فيه المألوف غريباً والغريب مألوفاً، وتحولت فيه أبسط الحقوق إلى أحلام كبيرة،  إنها بلد العجائب، لكن عجائبها لا تثير الدهشة بقدر ما تكشف حجم المعاناة التي يعيشها شعب ما زال متمسكاً بالحياة رغم كل شيء.