الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ يونيو-٢٠٢٦       5995

بقلم - علي حسن المفتاح

حين فُجع الوطن برحيل شهداء مروحية أرامكو، لم يكن الحزن ضيفًا على أربعة عشر منزلًا فحسب، بل خيّم على وطنٍ بأكمله. فمن رحلوا لم يكونوا مجرد أسماء في بيانٍ رسمي، بل رجالًا خرجوا مع إشراقة الصباح يحملون مسؤولياتهم كما اعتادوا كل يوم، فعادوا إلى ربهم وهم يؤدون واجبهم، تاركين خلفهم أسرًا تعتز بهم، ووطنًا يفخر بعطائهم، وسيرةً ستظل حاضرة في ذاكرة كل من عرفهم.

ولأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بسواعد رجالها، فإن شهداء مروحية أرامكو لم يكونوا مجرد موظفين يؤدون مهامًا وظيفية، بل كانوا جزءًا من منظومة وطنية تسهم في تشغيل أحد أهم قطاعات المملكة، قطاع الطاقة، الذي يمثل ركيزةً للاقتصاد الوطني ومصدرًا لمكانة المملكة العالمية. كانوا يعملون بصمت، بعيدًا عن الأضواء، لكن أثرهم كان حاضرًا في كل إنجاز، وفي كل يومٍ تستمر فيه مسيرة التنمية والعطاء. كانوا آباءً يكدّون لأجل أسرهم، وأبناءً بارّين بوالديهم، وإخوةً وأصدقاء وزملاء شهد لهم الجميع بالإخلاص وحسن الخلق والتفاني، فاستحقوا أن يبقى ذكرهم خالدًا، وأن يُنظر إليهم باعتبارهم نماذج مشرّفة للمواطن السعودي الذي يجعل خدمة وطنه رسالةً قبل أن تكون وظيفة.

ورغم قسوة الفقد، فقد قدّمت أسر الشهداء درسًا آخر لا يقل عظمة عن تضحيات أبنائهم. كان الحزن حاضرًا، والدموع صادقة، لكن الإيمان بقضاء الله والرضا بقدره كانا أكبر من الألم. وعبّر عددٌ من ذويهم عن اعتزازهم بأن أبناءهم رحلوا وهم يؤدون واجبهم في خدمة وطنهم، مؤمنين بأن أشرف ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو سيرةٌ طيبة، وعملٌ مخلص، ووطنٌ خدمه حتى آخر لحظة.

ولم يكن هذا الاعتزاز وليد لحظة المصاب، بل كان امتدادًا لما عرفه المجتمع عن هؤلاء الرجال. فقد توالت شهادات الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل، وكلها تكاد تجتمع على وصفٍ واحد؛ رجالٌ عرفوا بصدقهم، وأمانتهم، وابتسامتهم، وطيب تعاملهم مع الجميع. لذلك لم يكن الحزن عليهم حزن أسرهم وحدها، بل حزن مجتمعٍ كامل فقد رجالًا تركوا أثرًا طيبًا في كل مجلس، وكل موقع عمل، وكل قلبٍ عرفهم.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تحتاج القلوب المكلومة إلى الخطب الطويلة، بقدر حاجتها إلى كلمةٍ صادقة تقول: لستم وحدكم.

وهنا ظهرت الصورة التي يعتز بها كل سعودي…

حين حمل صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، تعازي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وتعازي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظهما الله –، وزار أسر الشهداء في منازلهم، لم تكن الزيارة مجرد أداء واجبٍ رسمي، بل كانت رسالة إنسانية ووطنية عميقة، تؤكد أن القيادة لا تكتفي بإرسال كلمات المواساة، بل تحرص على أن تصل مشاعرها بنفسها إلى أهل المصاب، وأن يشعروا بأن وطنهم حاضرٌ معهم في أصعب لحظات حياتهم.

وأعظم ما يمكن أن يشعر به الأب، أو الأم، أو الزوجة، أو الابن بعد الفقد، أن يرى وطنه واقفًا إلى جواره، يشاركه حزنه، ويخفف عنه مصابه، ويقول له دون ضجيج: فقيدكم فقيدنا جميعًا.

هذه هي السعودية التي عرفها أبناؤها…

قيادةٌ لا تنتظر أن يقصدها المواطن في محنته، بل تبادر إليه، وتصل إلى بابه، وتشاركه ألمه، لتؤكد أن الإنسان في هذا الوطن لا تنتهي قيمته برحيله، بل تبقى محفوظة في وفاء قيادته، وذاكرة دولته، وقلوب أبناء وطنه.

ولذلك، لم يكن المشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام مجرد زيارة وزير، بل كان مشهد وطنٍ كامل يقف على أعتاب بيوت الشهداء، حاملًا تعازي قيادته، ومجسدًا واحدةً من أسمى صور التلاحم بين القيادة والشعب؛ صورةٌ ربما تعجز الكلمات عن وصفها، لكنها ستظل راسخة في الوجدان.

لقد ترك شهداء مروحية أرامكو خلفهم أكثر من حزن… تركوا درسًا في معنى الوفاء. وفاء رجالٍ لوطنهم حتى آخر لحظة، ووفاء أسرٍ احتسبت وصبرت، ووفاء قيادةٍ لم تجعل التعزية رسالةً تُقرأ، بل موقفًا يُرى. وحين اجتمعت هذه الصور الثلاث في مشهدٍ واحد، لم يعد الحديث عن حادثةٍ أليمة فحسب، بل عن وطنٍ يعرف كيف يكرم أبناءه في حياتهم، ويحفظ مكانتهم بعد رحيلهم.

قد لا تعيد المواساة من رحل، لكنها تعيد شيئًا من الطمأنينة إلى من بقي.

وقد لا توقف الدموع، لكنها تجعلها تنهمر في حضرة وطنٍ لا يترك أبناءه وحدهم، ويثبت في كل موقف أن الإنسان فيه هو القيمة الأعلى.

إن الدول العظيمة تُقاس بقوة اقتصادها، وبما تشيده من مشاريع، وبما تحققه من إنجازات، أما الأوطان العظيمة فتُقاس أيضًا بإنسانيتها. وحين تطرق القيادة أبواب بيوت المكلومين، وتحمل إليهم تعازي خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد، فإنها ترسخ حقيقةً راسخة مفادها أن المواطن في المملكة ليس رقمًا في سجل، بل قيمةٌ مصونة، وشريكٌ في بناء الوطن، وموضع اهتمام قيادته في الرخاء والشدة.

رحم الله شهداء مروحية أرامكو، وجعل ما قدموه لوطنهم في ميزان حسناتهم، وألهم ذويهم الصبر والسلوان. وسيبقى هذا المشهد شاهدًا للأجيال؛ رجالٌ صدقوا في خدمتهم، وأسرٌ عظمت في صبرها، وقيادةٌ لم تكتفِ بأن تُرسل التعازي… بل حملتها بنفسها إلى أبواب بيوتٍ أنجبت رجالًا سيبقى الوطن يذكرهم بكل فخر