الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ يونيو-٢٠٢٦       3355

بقلم: ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية

في شهر يونيو من كل عام، تتحول حقول القمح في الصين إلى بحر ذهبي، بينما تتحرك الحصادات بين السنابل، وتتجه حبات القمح الممتلئة إلى المخازن. وقد أصبح من المؤكد هذا العام أن محصول الحبوب الصيفية قد حقق وفرة جديدة، وهو أول محصول زراعي يتم حصاده في مستهل فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة، بما يعزز استقرار الأمن الغذائي منذ بداية المرحلة الجديدة.
ورغم أن موسم الحصاد الصيفي يتكرر كل عام، فإن موسم هذا العام يستحق التوقف عنده بشكل خاص. فقد جاءت هذه الوفرة بعد ظروف لم تكن سهلة. ففي موسم الزراعة خلال خريف وشتاء العام الماضي، تعرضت منطقة هوانغهوايهاي لأمطار متواصلة ونادرة، مما أدى إلى تأخير زراعة مساحات واسعة من القمح الشتوي، وكان نمو الشتلات في البداية أقل من المتوقع.
لكن بعد ثمانية أشهر، لم يقتصر الأمر على تجنب انخفاض الإنتاج، بل تحقق حصاد وفير. ولم يكن ذلك نتيجة للحظ، بل ثمرة منظومة بُنيت عبر سنوات طويلة من الاستثمار، تقوم على تحسين جودة الأراضي الزراعية، والتطور المستمر للتكنولوجيا الزراعية، والقدرة على تنظيم جميع مراحل الإنتاج، من الزراعة وحتى الحصاد.
وخلال السنوات العشر الماضية، تجاوزت نسبة تغطية الأصناف المحسنة من المحاصيل الرئيسية في الصين ٩٦٪، فيما تجاوزت نسبة الميكنة الشاملة لعمليات الزراعة والحصاد ٧٥٪. كما أنشأت الصين أكثر من مليار مو من الأراضي الزراعية عالية الجودة (المو الصيني يعادل نحو ٦٦٧ مترا مربعا)، مع تطوير أنظمة الري والطرق وتحسين التربة بصورة متكاملة، الأمر الذي عزز القدرة الإنتاجية للأراضي ورفع قدرتها على مواجهة المخاطر.
وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تتحول في كل موسم حصاد إلى ضمانات حقيقية للأمن الغذائي.
ديتشو... نموذج مصغر
تقع مدينة ديتشو في قلب سهل هوانغهوايهاي، وتمثل نموذجا مصغرا للزراعة التي تعتمد على الأمطار في شمال الصين، حيث تواجه مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية منذ سنوات تحديات تتمثل في محدودية الموارد المائية وانخفاض العائد من زراعة الحبوب.
غير أن ديتشو تشهد في السنوات الأخيرة تحولا واضحا.
ففي الأراضي الزراعية عالية الجودة، تنقل أنظمة الري والتسميد المتكاملة المياه والعناصر الغذائية مباشرة إلى جذور النباتات بدقة، بينما تعيد الأصناف المحسنة والإدارة الزراعية الذكية تشكيل أساليب الإنتاج.
وخلال ثلاث سنوات فقط، حققت المدينة هدف مشروع "طن ونصف من الحبوب" الذي كان مقررا إنجازه خلال خمس سنوات، حيث تجاوز متوسط الإنتاج لكل مو ١٥٠٠ كيلوغرام. واليوم، يأتي أكثر من واحد في المائة من إنتاج الحبوب في الصين من ديتشو.
كما أن نموذجها في تحقيق الإنتاج المرتفع والمستقر بدأ ينتشر تدريجيا إلى المزيد من مناطق الزراعة التي تعتمد على الأمطار في شمال البلاد.
ولا تكمن أهمية ديتشو في كمية الحبوب التي تنتجها فحسب، بل في أنها تجيب عن سؤال مهم: هل تستطيع الصين، في ظل محدودية الموارد، أن تجد طريقا مستداما لزيادة إنتاج الحبوب؟
وجواب ديتشو واضح: نعم. فمن خلال الاستثمار المتكامل في التكنولوجيا، والبنية التحتية، والأنظمة، والسياسات، يمكن التخطيط لزيادة إنتاج الحبوب، وتكرار هذه التجربة، وضمان استدامتها.
وديتشو ليست سوى نموذج مصغر لما تشهده الزراعة الصينية في مختلف أنحاء البلاد من تطور متواصل في القدرات والإمكانات.
جواب امتد عبر ١٠٥ أعوام
بعد أيام قليلة، تحل الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني.
قبل ١٠٥ أعوام، ولد هذا الحزب في بلد كان يعاني الفقر والضعف، وكان معظم الصينيين آنذاك ما يزالون يكافحون من أجل الحصول على ما يسد رمقهم، وهي معضلة ظلت تؤرق الصين عبر قرون طويلة.
أما اليوم، وبعد مرور ١٠٥ أعوام، فقد حافظ إنتاج الحبوب في الصين على وفرة متواصلة طوال ٢٢ عاما. وباستخدام نحو ٩٪ فقط من مساحة الأراضي الزراعية في العالم و٦٪ من موارده المائية العذبة، توفر الصين الغذاء لما يقارب خُمس سكان العالم.
وهذه حقيقة لا تقبل الجدل، لكنها تحمل في طياتها دلالة أعمق: فقد تمكنت دولة نامية، في أقل من قرن، من تحويل حلم القضاء على الجوع إلى واقع مستقر.
والأكثر جدارة بالملاحظة هو ما تتمتع به هذه المنظومة من قدرة على التكيف والتعافي.
ففي الموسم الماضي، تعرضت الزراعة لظروف مناخية قاسية خلال فترة البذر، ومع ذلك تحقق حصاد وفير هذا الصيف. وهذه القدرة على الحفاظ على الإنتاج في ظل الظروف الصعبة، تستحق اهتماما أكبر من تحقيق إنتاج مرتفع في الظروف الطبيعية.
فهذه المنظومة ليست هشة، ولا تعتمد على الأحوال الجوية المثالية كي تعمل، بل تستند إلى احتياطيات علمية وتقنية، وقدرة تنظيمية عالية، وبنية تحتية تتطور باستمرار. واجتماع هذه العناصر هو ما يجعلها قادرة على مواصلة العمل حتى تحت الضغوط.
ولا يقوم الأمن الغذائي في الصين على عامل واحد، بل على منظومة متكاملة تتداخل فيها عدة عناصر: سياسات صارمة تحمي الأراضي الزراعية، واستثمارات متواصلة في تطوير البذور والآلات الزراعية والزراعة الذكية، وبنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة المخاطر، وسياسات تشجع المزارعين على مواصلة الإنتاج.
وهذه المنظومة ما تزال تتطور باستمرار. فمشروعات الأراضي الزراعية عالية الجودة تتوسع عاما بعد عام، والزراعة الرقمية أصبحت جزءا من عملية الإنتاج، بينما يتجه القطاع الزراعي تدريجيا من التركيز على زيادة الكمية إلى تحقيق إنتاج وفير وعالي الجودة في الوقت نفسه.
ولذلك، فإن الأمن الغذائي ليس مهمة منجزة، بل عملية مستمرة من التطوير والتحديث.
من الشبع إلى جودة الغذاء
لقد قطعت الصين طريقا طويلا؛ من مرحلة كان فيها الناس يعانون نقص الغذاء، إلى مرحلة الاكتفاء، ثم إلى مرحلة السعي نحو غذاء أفضل وأكثر جودة.
ولم يكن لهذا الطريق أي اختصار.
فكل موسم حصاد للقمح يمثل تجسيدا جديدا لعبارة طالما رددها الصينيون: "يجب أن يبقى وعاء الطعام في أيدينا".
ومائة وخمسة أعوام مدة كافية لتشهد هذا التحول.
فقصة الحبوب في هذه الأرض ليست مجرد قصة زراعة، بل هي صورة تعكس قدرة دولة بأكملها على إدارة التحديات.
فعندما تواجه حالة من عدم اليقين، هل تستطيع الحفاظ على استقرار الأساسيات؟ وعندما تظهر الصعوبات، هل تستطيع تقليل الخسائر إلى أدنى حد؟ وهل تستطيع أن تقدم، عاما بعد عام، إجابات موثوقة أمام التحديات المتكررة؟
إن الجواب الذي تحمله  أمواج القمح  واضح وثقيل بالمعنى.
فهو ليس وعدا مكتوبا على الورق، بل حبات قمح تملأ المخازن، وطمأنينة حقيقية على موائد الطعام.
وهذا الشعور بالأمان لم يولد بين ليلة وضحاها، بل جاء ثمرة ١٠٥ أعوام من العمل المتواصل، خطوة بعد أخرى.