بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
ليس الفقير دائمًا من قلَّ ماله، ولا الغني دائمًا من كثرت أرصدته؛ فكم من إنسانٍ يعيش في فيضٍ من النعم، لكنه فقد القدرة على رؤيتها، وكم من آخر يقتات على القليل، لكنه ينام قرير العين؛ لأن قلبه امتلأ بالرضا.
إن من أخطر ما يفعله الاعتياد بالنفس أنه لا يسلب الإنسان النعمة، بل يسلبه الإحساس بها. فما أكثر النعم التي نصحو معها كل صباح حتى نظنها جزءًا عاديًا من حياتنا، مع أنها أمنياتٌ يعيش غيرنا عمره كله في انتظارها. وهكذا لا تغيب النعم عن أعيننا لأنها رحلت، بل لأنها طالت إقامتها حتى ألفناها.
ومن هنا .. تبدأ المقارنة التي تُفسد صفاء الحياة؛ فينشغل الإنسان بما ينقصه، ويغفل عما بين يديه. وفي المقابل، نرى وجوهًا تفيض بالابتسام، بينما تخفي وراءها جبالًا من الألم؛ فمنهم من أثقلته الديون، ومنهم من أنهكه المرض، ومنهم من فقد عزيزًا، ومنهم من يعيش غربةً قاسية، لكنه يحمد الله، ويستقبل الحياة برضا. إننا نرى الضحكة ولا نسمع الأنين، ونرى النجاح ولا نرى الليالي التي سبقته، ولذلك كانت المقارنة ظلمًا للنفس؛ لأننا نقارن ما نعرفه عن حياتنا بما نجهله من حياة الآخرين.
ولو كشف الله للناس ما في صدور بعضهم من الهموم، وما في بيوت آخرين من الابتلاءات، وما في أجساد كثيرين من الآلام ؛ لحمدوا الله طويلًا على ما هم فيه، ولأدركوا أن نعمهم أكثر مما يتصورون.
الصحة، والأمن، والأسرة، وراحة البال، والعمل الشريف، والإيمان… نعمٌ تبدو عادية ؛ لأنها ترافقنا كل يوم، لكنها تصبح أعظم ما في الحياة حين تغيب. وإذا أردت أن تعرف مقدار غناك، فلا تعدَّ ما تملك من مال، بل عدَّ النعم التي لو عُرضت للبيع، لما بعتها بكنوز الأرض. عندها ستدرك أنك أغنى مما كنت تظن.
وليس المقصود أن يتوقف الإنسان عن الطموح أو السعي إلى تحسين حياته؛ فالإسلام دين العمل والاجتهاد، لكنه يربي القلب على القناعة، حتى لا يتحول الطموح إلى سخط، ولا السعي إلى جحود. فليس كل ما تتمناه نعمة، وليس كل ما اعتدته أمرًا عاديًا؛ فكثيرٌ مما اعتدناه هو أمنياتٌ يعيش غيرنا عمره كله وهو ينتظرها.
وقد لخّص النبي ﷺ هذه الحقيقة العظيمة بقوله: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم.»
وسيأتي يومٌ يلتفت فيه كل واحدٍ منا إلى شيءٍ كان يملكه، ثم يقول: ليتني عرفت قيمته قبل أن أفقده.
فلا تؤجل شكر النعمة إلى يوم تصبح فيه ذكرى… عش نعمك اليوم، واشكرها قبل أن تتحول إلى أمنية.