الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يونيو-٢٠٢٦       2860

بقلم- ليلى محمد القبي

في كل مرة يُرفض فيها شخص كفيف من وظيفة بسبب إعاقته البصرية، لا تخسر تلك الوظيفة موظفًا فحسب، بل تخسر فكرة، وخبرة، وإبداعًا، وإرادةً صُنعت من التحديات أكثر مما صُنعت من الظروف ، الكفيف لا يستيقظ كل صباح ليواجه مهام عمله فقط، بل يواجه مجتمعًا ما زال بعض أفراده يخلطون بين فقدان البصر وفقدان القدرة ، وما بين هذين المفهومين تضيع الكثير من الطاقات، وتُهدر الكفاءات، وتُغلق أبواب كان يمكن أن تُفتح لإنجازات استثنائية ، إن الإعاقة البصرية لا تعني غياب الإنتاجية، بل تعني اختلاف الوسيلة فقط ،  فبينما يعتمد المبصر على عينيه، يعتمد الكفيف على مهارات أخرى طوّرها عبر سنوات طويلة من التكيّف؛ فيصبح أكثر تركيزًا، وأكثر قدرة على الاستماع، وأكثر دقة في الحفظ، وأشد إصرارًا على الإنجاز، لأنه اعتاد أن يثبت نفسه في كل محطة من محطات حياته ، والمؤلم أن كثيرًا من جهات العمل ما زالت تتخذ قرار التوظيف قبل أن تتعرف على الكفاءة. فيُسأل الكفيف: كيف ستعمل؟ قبل أن يُسأل: ماذا تستطيع أن تقدم؟  ، وكأن الإعاقة أصبحت الوصف الوظيفي، بينما يفترض أن تكون المهارات والخبرات هي المعيار الحقيقي ، إن بيئات العمل الحديثة لم تعد تقيس الموظف بما يراه، بل بما يحققه ، ومع تطور التقنيات المساندة، وبرامج قارئات  الشاشة، والهواتف الذكية، والذكاء الاصطناعي، أصبحت كثير من المهن متاحة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية بكفاءة تضاهي غيرهم، بل وتتجاوزها أحيانًا ، ولم يعد السؤال: هل يستطيع الكفيف أن يعمل؟ بل أصبح: هل منحناه الفرصة العادلة ليُثبت ذلك؟ إن توظيف الكفيف ليس عملًا خيريًا، ولا منحة إنسانية، ولا استثناءً يُتفضل به عليه ، إنه حق أصيل، واستثمار حقيقي في رأس المال البشري. فالعدالة الوظيفية لا تتحقق عندما نمنح الفرصة لمن يُشبهنا، بل عندما نزيل العوائق أمام من يملك الكفاءة مهما اختلفت ظروفه ، ان المجتمعات لا تُقاس بعدد المباني التي تشيدها، بل بعدد الأحلام التي تسمح لها أن تتحقق ، والجهات التي تؤمن بالكفاءات قبل المظاهر هي التي تصنع فرقًا حقيقيًا في مستقبل الوطن، لأنها تدرك أن النجاح لا يحتاج عينين تُبصران، بل عقلًا يُفكر، وقلبًا يؤمن، وإنسانًا يعمل بإخلاص ، فلنكف عن السؤال: هل الكفيف قادر؟” ولنبدأ بالسؤال الذي تأخر كثيرًا: لماذا ما زلنا نحكم على الإنسان بما فقده، بدلًا مما يملكه؟ لأن بعض الأشخاص لا يرون الطريق بأعينهم… بل يصنعونه بإرادتهم.