الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ يونيو-٢٠٢٦       5500

بقلم- محمد الشقاء

من حق الجميع أن يفرح ويعبّر عن مشاعره، لكن ليس من حق أحد أن يحول الفرح إلى التزام اجتماعي و”عبء مالي” مرهق يُفرض على الجميع ويصنع أعرافًا جديدة تُثقل كاهل الأسر.

خلال السنوات الأخيرة برزت مظاهر اجتماعية مستحدثة تقودها -غالبًا- بعض النساء بدافع المنافسة الاجتماعية وحب الظهور، حتى أصبحت الأسرة تدخل في دوامة لا تنتهي من الالتزامات؛ تبدأ من رحلة العروس الطويلة وما يصاحبها من حفلات وتصوير وهدايا واستعراضات قبل الزواج الفعلي، مرورًا بحفلات استقبال المواليد في المستشفيات، وحفلات تخرج أطفال الروضة والمراحل المبكرة، والتجمعات النسائية الدورية في الاستراحات، وقروبات السفر النسائية غير العائلية، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل امتد إلى هدايا الموظفات خاصة المعلمات، وتنسيقات المناسبات الموسمية، والاحتفاء بكل محطة عمرية وكأنها مناسبة استثنائية تستوجب الإنفاق والإعلان عنها في مبالغات مرهقة لا تطيقها الأسر الفقيرة والبسيطة وهي جزء أصيل من مجتمعنا.

المشكلة ليست في الفرح ذاته، بل في نتائجه السلبية، فكم من زوج تعرض لضغوط مالية، وكم من خلافات أسرية -وصل بعضها إلى حد الطلاق- نشأت بسبب مجاراة الآخرين، وكم من شاب عزف عن الزواج خوفًا من سلسلة التزامات جديدة تجرها الزوجة معها إلى حياته، وكم من أسرة استدانت حتى لا تبدو أقل من غيرها.

بعض الأسر أصبحت تعتذر عن الحضور أو تنسحب من محيطها الاجتماعي لعجزها عن مجاراة الالتزامات والهدايا المتصاعدة، بل تأثرت بعض صلات الرحم وضاقت دائرة الأصدقاء تجنبًا لما تجره العلاقات الاجتماعية من أعباء مالية.

أستذكر في هذا السياق دراسة أجرتها الباحثة فاطمة الرشيدي بجامعة القصيم عام 2024 تؤكد أن الإفراط في الإنفاق والمجاراة الاجتماعية يسببان ضغوطًا مالية وخلافات أسرية واضطرابًا في ميزانية الأسرة، بما يهدد استقرارها بشكل مباشر.

وعدا تأثير مشاهير التواصل الاجتماعي، فقد زادت كثير من الحسابات الخاصة من حدة المشكلة، حتى تحول جزء من هذه المناسبات إلى محتوى للاستعراض أكثر من كونها مناسبات أسرية حقيقية.

المجتمع اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة تعيد الاعتبار لقيمة البساطة، عبر دور تشاركي تقوده وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزارة الإعلام ووزارة التعليم ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد والجمعيات الأسرية والخطباء، والمؤثرون الاجتماعيون؛ لترسيخ ثقافة الاعتدال، والاهتمام بتعظيم المشاعر وتقليل الخسائر.

لا نقول امنعوا الفرح، بل حرروه من الاستنزاف وأعيدوه إلى تعريفه الحقيقي بأنه صلة ومودة ورحم، ومساعدة على بناء البيوت الجديدة لا منافسة وضغوط وفواتير وخلافات أسرية.. لذا أمسكوا حريمكم.