النهار

٢٦ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يونيو-٢٠٢٦       3080

 بقلم - د. عبدالله بن رابح الشريف
 
في سياق الجهود التي تبذلها وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية لإعادة هندسة المنظومة التعليمية عبر تحديث المناهج، وتطوير آليات التقويم، وتوظيف البيانات التعليمية في تحسين نواتج التعلم، تبرز الاختبارات المركزية بوصفها أداة تقويم معيارية تسهم في ضبط جودة المخرجات التعليمية ورفع كفاءتها.
 
تُعد الاختبارات المركزية من الأدوات التقويمية المحورية التي تعتمدها الأنظمة التعليمية الحديثة لقياس مستوى التحصيل الدراسي، ورصد تحقق نواتج التعلم، وتوليد مؤشرات كمية ونوعية دقيقة تُعين متخذي القرار على تشخيص الواقع التعليمي وتوجيه مسارات التطوير، ومع تصاعد الاهتمام بجودة التعليم وفاعلية مخرجاته، اكتسبت هذه الاختبارات أهمية متزايدة بوصفها آلية لتوحيد معايير القياس، وتقليص التباين في أحكام التقويم، وتعزيز العدالة والموضوعية في الحكم على أداء الطلاب والمدارس.
 
وتتمثل القيمة التحليلية الأولى للاختبارات المركزية في قدرتها على إنتاج صورة معيارية دقيقة عن مستوى إتقان الطلاب للمعارف والمهارات المستهدفة، بعيدًا عن التفاوت الناجم عن اختلاف أدوات التقويم وأساليبها بين المدارس والمعلمين ، فعلى سبيل المثال قد تكشف نتائج اختبار مركزي في مادة الرياضيات أن طلاب الصف السادس يحققون مستوى مرتفعًا في المهارات الإجرائية المرتبطة بالعمليات الحسابية الأساسية، في حين يظهر لديهم قصور واضح في مهارات الاستدلال وحل المسائل اللفظية؛ وبذلك تتحدد بدقة مناطق الإتقان ومناطق التعثر في آن واحد ، كما تتيح هذه الاختبارات إجراء مقارنات معيارية بين الإدارات التعليمية والمدارس، بما يكشف أنماط التميز ومواطن الضعف، ويسهم في بناء خطط تحسين قائمة على الأدلة والبيانات.
 
ومن أهم وظائفها كذلك دعم صناعة القرار المبنية على البيانات؛ إذ توفر نتائجها مؤشرات قابلة للتحليل يمكن توظيفها في مراجعة المناهج، وتطوير البرامج التدريبية للمعلمين، وتحديد المدارس أو الفئات الطلابية التي تتطلب تدخلات علاجية أو إثرائية نوعية، بما يعزز كفاءة تخصيص الموارد التعليمية. فمثلًا، إذا أظهرت النتائج انتشار أخطاء متكررة لدى عدد كبير من الطلاب في مهارة فهم المقروء في اللغة العربية، فإن ذلك قد يستدعي إعادة النظر في بعض مكونات المحتوى القرائي، أو إعادة تصميم أنشطة الفهم والاستيعاب، أو تأهيل المعلمين على استراتيجيات التدريس القائمة على تنمية الفهم القرائي، أو إعداد برامج علاجية موجهة للمتعثرين.
 
وعلى مستوى المتعلم، تسهم الاختبارات المركزية في ترسيخ ثقافة الانضباط التعليمي، ورفع مستوى الجدية في التعاطي مع نواتج التعلم الأساسية، ولا سيما عندما تُقدَّم بوصفها أداة تشخيصية تطويرية تستهدف التحسين المستمر، لا مجرد وسيلة للفرز أو التصنيف.
 
ومع ذلك، فإن الاستفادة من هذه الاختبارات تقتضي عدم اختزال جودة التعليم في نتائجها وحدها، بل إدراجها ضمن منظومة تقويم شاملة ومتكاملة تشمل التقويم التكويني، والمشروعات، والمهام الأدائية، والممارسات العملية، بما يضمن قياسًا أكثر اتزانًا لمختلف أبعاد التعلم.
 
كما أن القيمة الحقيقية للاختبارات المركزية لا تتحقق بمجرد إعلان النتائج، وإنما في تحليلها تفسيرًا وتفكيكًا، ثم تحويلها إلى خطط تنفيذية قابلة للقياس والمتابعة. فإذا أظهرت النتائج مثلًا تفوق مدرسة ما في العلوم، مقابل تدنٍ في اللغة الإنجليزية، يمكن توجيه الدعم المهني لمعلمات اللغة الإنجليزية، ومراجعة طرائق التدريس، وتخصيص برامج إثرائية علاجية، في حين تُستثمر الممارسات الناجحة في العلوم بوصفها نماذج مرجعية قابلة للتعميم والاستفادة المؤسسية.
 
• الاختبارات المركزية أداة استراتيجية في تطوير التعليم متى ما أُحسن تصميمها، وضبطت معاييرها، وتوظيف نتائجها توظيفًا منهجيًا. فهي ليست غاية مستقلة، بل وسيلة تقويمية فاعلة لرفع جودة التعليم، وتحقيق تكافؤ الفرص، وترسيخ ثقافة التحسين المستمر، بما ينعكس إيجابًا على أداء المتعلم، وفاعلية المدرسة، وكفاءة النظام التعليمي .