النهار

٢٦ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يونيو-٢٠٢٦       3245

بقلم ـ محمد السويعي

تتكرر في الآونة الأخيرة آراء تتنبأ بأن  الذكاء الاصطناعي  سيقود إلى اختفاء مهن بأكملها، بل وربما إلى زوال وسائل نقل اعتدنا عليها، في مشهد يبدو للبعض وكأنه الفصل الأخير في علاقة الإنسان بالتقنية. ورغم ما تحمله هذه الرؤى من جرأة وإثارة، فإنها تستحق أن تُقرأ بعين العلم، لا بعدسة الانبهار أو القلق.

التاريخ يخبرنا أن الإنسان اعتاد استقبال كل ثورة تقنية بالمخاوف نفسها. فعندما ظهرت الآلات خشي الناس على مستقبلهم الوظيفي، وعندما انتشر الحاسب الآلي توقع كثيرون نهاية الكثير من الوظائف بسبب الأتمتة، ثم قيل إن الإنترنت ستقضي على الكتب والصحف الورقية، وإن الروبوتات ستستولي على الوظائف. لكن ما حدث كان مختلفًا؛ فقد تغيرت أدوات العمل، واختفت بعض المهام، وفي المقابل وُلدت مهن جديدة، وازداد اعتماد الإنسان على المعرفة والابتكار.

واليوم يقف  الذكاء الاصطناعي  عند المحطة نفسها. فالذكاء الاصطناعي ليس عقلًا مستقلًا، ولا كيانًا يمتلك الوعي أو يتحمل المسؤولية، بل هو نتاج ما علّمه الإنسان من بيانات وخبرات وخوارزميات. إنه يتقن تحليل المعلومات بسرعة تفوق عقل الإنسان، لكنه لا يفهم المعنى كما يفهمه الإنسان، ولا يملك ضميرًا أخلاقيًا، ولا يستطيع تحمل تبعات القرار. ومن هنا، يصبح من الضروري التفريق بين اختفاء "المهام" واختفاء "المهن".

فالطبيب، على سبيل المثال، سيجد في  الذكاء الاصطناعي  مساعدًا استثنائيًا في قراءة الأشعة وتحليل الفحوصات والتنبؤ ببعض الأمراض، لكن هذا لا يعني أن دوره سينتهي. فالطب ليس مجرد تشخيص، بل ثقة، وتواصل، وخبرة، ومسؤولية، واتخاذ قرار في لحظة قد تفصل بين الحياة والموت.

وكذلك المهندس، فقد أصبحت البرمجيات الذكية قادرة على إنتاج تصاميم هندسية معقدة خلال دقائق، لكنها لا تتحمل مسؤولية السلامة المهنية، ولا تستطيع أن توازن بين المتطلبات الاقتصادية والبيئية والتنظيمية، أو أن تبتكر حلولًا تنبع من فهم الواقع واحتياجات المجتمع.

أما السيارات والطائرات، فلا شك أن العالم يتجه نحو مزيد من القيادة الذاتية والطيران الآلي، لكن الطريق إلى الاستقلال الكامل لا تحدده التقنية وحدها، بل تحكمه تشريعات صارمة، ومعايير سلامة، ومسؤوليات قانونية، وثقة مجتمعية. ولذلك سيظل الإنسان حاضرًا في منظومة الإشراف واتخاذ القرار، مهما بلغت قدرات الأنظمة الذكية.

ومن ينظر إلى التجارب العالمية يلاحظ أن الدول المتقدمة لا تستثمر في  الذكاء الاصطناعي  ليحل محل الإنسان، وإنما ليضاعف قدراته ويزيد إنتاجيته. وهذا ما تدركه المملكة العربية السعودية مبكرًا، حيث جعلت  الذكاء الاصطناعي  أحد المحاور الرئيسة لرؤية المملكة 2030، واستثمرت في بناء مراكز البيانات، وتطوير البنية التحتية الرقمية، والحوسبة السحابية، واستقطاب التقنيات المتقدمة، بالتوازي مع الاستثمار في الإنسان السعودي وتأهيله لقيادة اقتصاد المستقبل. فلو كان  الذكاء الاصطناعي  يعني الاستغناء عن الإنسان، لما اتجهت المملكة إلى توسيع برامج الابتعاث، واستحداث تخصصات  الذكاء الاصطناعي  وعلوم البيانات والأمن السيبراني، وإنشاء الأكاديميات الرقمية، وتمكين الشباب من اكتساب مهارات المستقبل. فالرسالة واضحة؛ التقنية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لبناء إنسان أكثر معرفة، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر إسهامًا في التنمية.

إن المستقبل لن يكون للأذكى من البشر، ولا للأذكى من الآلات، بل لمن يحسن توظيف الاثنين معًا. فالآلة ستظل أسرع في العمليات الحسابية، وأدق في تحليل البيانات، وأكثر قدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، لكن الإنسان سيبقى مصدر الفكرة، وصاحب الرؤية، وحارس القيم، والمتحمل لمسؤولية القرار.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستختفي المهن؟ بل: كيف ستتغير؟ وكيف نستعد لهذا التغيير؟ فالتاريخ يؤكد أن التقنية لا تلغي الإنسان، وإنما تدفعه إلى إعادة اكتشاف قدراته، وتوسيع آفاقه، وصناعة فرص جديدة لم تكن ممكنة من قبل.

قد يتفوّق التلميذ في سرعة الحساب، وقد يسبق معلّمه في معالجة البيانات، لكنه لا يستطيع أن يستغني عن العقل الذي علّمه، والقيم التي وجّهته، والإنسان الذي منحه غايته. فالتاريخ لم يُكتب يومًا على يد الآلات، بل على يد الإنسان الذي أحسن استخدامها، والذكاء الاصطناعي لن يكون استثناءً من ذلك.