النهار

٢٣ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يونيو-٢٠٢٦       4455


بقلم - طارق محمود نواب

ليستِ  الرَّصانةُ  في أن تقتحمَ المسافات، ولا الوقارُ في أن تفرضَ حضوركَ على الآخرين،
ولا المكانةُ في أن تتسلّلَ إلى خصوصيّاتِ الناس متوهّمًا أنَّ القربَ يمنحكَ حقَّ العبور.
فثمّةَ حدودٌ لا تُرسمُ على الجدران، لكنَّ الأرواحَ تشعرُ بها، وتعرفُ تمامًا متى يكونُ الإنسانُ نبيلًا في اقترابه، ومتى يتحوّلُ إلى عبءٍ ثقيل يستنزفُ الودَّ، ويُطفئُ جمالَ العلاقات.
فلا تتجاوزْ حدودكَ فالنفوسُ العظيمة لا تعبثُ بمساحاتِ الآخرين، ولا تُفتّشُ في نواياهم، ولا تتصيّدُ أسرارَهم، لأنها تُدركُ أنَّ الرُّقيَّ الحقيقي ليسَ في كثرةِ الاقتراب، بل في إتقانِ الاحترام.
فهناكَ بشرٌ إذا حضروا أشعروا الأرواحَ بالأمان، لأنهم يعرفونَ أين يقفون، وكيفَ يتحدّثون، ومتى يصمتون، وهناكَ آخرون يقتحمونَ التفاصيلَ اقتحامًا، حتى يُصبحَ حضورُهم ضجيجًا يُرهقُ القلب، وثقلًا لا يُحتمل.
فلا تتجاوزْ حدودكَ فليستْ كلُّ الأبوابِ خُلقتْ لتُفتح، ولا كلُّ المسافاتِ خُلقتْ لتُختصر، ولا كلُّ الأسئلةِ يليقُ بها أن تُقال.
فالإنسانُ الراقي يعرفُ أنَّ للكرامةِ أبوابًا، وللصمتِ هيبة، وللأسرارِ حرمة، وأنَّ أجملَ الأخلاق أن تُبقي للناسِ مساحتَهم دون أن تُحاصرَهم بفضولِكَ، أو تُرهقَهم بتدخّلك، أو تُحمّلَهم ثقلَ حضورِكَ.
فكم من علاقةٍ كانتْ مُزهرةً بالودّ، فأحرقها التطفّل، وكم من قلوبٍ أغلقتْ أبوابَها إلى الأبد، لأنَّ أحدهم لم يُحسنْ الوقوفَ عند حدودِه.
فليسَ كلُّ صمتٍ غفلة، ولا كلُّ انسحابٍ ضعفًا، بل أحيانًا ينسحبُ الإنسانُ بصمتٍ مُترف، حينَ يكتشفُ أنَّ بعضَ البشر لا يُجيدونَ احترامَ المسافات، ولا يفهمونَ أنَّ الكرامةَ أرفعُ شأنًا من المجاملة.
فلا تتجاوزْ حدودكَ فبعضُ التجاوزاتِ لا يُصلحها اعتذار، وبعضُ الكسورِ لا تُرمّمها الكلمات، وبعضُ الأرواحِ إذا انطفأتْ، فلن يعيدَها ألفُ اهتمامٍ مُتأخّر.
ولعل أكثرَ الناسِ فخامةً ليسَ من يُجيدُ الحضور، بل من يُجيدُ التقدير، ويعرفُ أنَّ الذوقَ الرفيع هو أن تظلَّ قريبًا دون أن تُثقل، وحاضرًا دون أن تقتحم، ومحبًّا دون أن تتملّك.
وفي نهايةِ الأمر، يبقى النُّبلُ الحقيقي أن تمرَّ في حياةِ الآخرين كالعطرِ النقيّ، لا يفرضُ نفسَه، لكنَّه يتركُ أثرًا لا يُنسى، وأن تعرفَ دائمًا أنَّ بعضَ الحدودِ خُلقتْ لتُحترم، لا لتُكسَر.