الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ يونيو-٢٠٢٦       3025

بقلم - د. منى يوسف الغامدي

من التعاون إلى الأثر ؛ شهد العالم اليوم تحولات غير مسبوقة في أنماط المعرفة وإنتاجها، وفي متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي جعل من التعليم الركيزة الأساسية لبناء المجتمعات القادرة على التكيف والابتكار والمنافسة. وفي هذا السياق، لم يعد تطوير الأنظمة التعليمية مسؤولية وطنية منفردة، بل أصبح مشروعًا تشاركيًا تتكامل فيه الجهود الحكومية والمؤسسات العلمية والمنظمات الدولية من أجل بناء نظم تعليمية أكثر جودة ومرونة واستدامة.

ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، تأتي مذكرة التعاون العلمي والتعليمي الموقعة بين وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية ومركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم باعتبارها نموذجًا متقدمًا للشراكات المؤسسية الهادفة إلى تطوير التعليم من خلال المعرفة والبحث العلمي وبناء القدرات وتبادل الخبرات، في إطار يتوافق مع التوجهات العالمية التي تقودها منظمة اليونسكو لتحقيق مستقبل أكثر إنصافًا واستدامة للتعليم.

التعليم بوصفه محركًا للتنمية المستدامة

يؤكد المجتمع الدولي اليوم أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يمكن أن يتم دون أنظمة تعليمية قوية وقادرة على إعداد الأفراد للحياة والعمل والمواطنة الفاعلة. ويشكل الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG4) المعني بضمان التعليم الجيد المنصف والشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع، حجر الزاوية في بناء المجتمعات المزدهرة.

وفي هذا الإطار، تمثل مذكرة التعاون بين وزارة التعليم والمركز استجابة عملية لهذا التوجه العالمي، إذ تسهم في تعزيز إنتاج المعرفة التربوية، وتطوير البحوث والدراسات التعليمية، وتوسيع نطاق تبادل الخبرات والممارسات الناجحة، بما يدعم بناء سياسات تعليمية قائمة على الأدلة والبيانات، ويعزز جودة التعلم ومخرجاته.

كما أن أثر هذه الشراكة لا يقتصر على تحقيق الهدف الرابع فحسب، بل يمتد بصورة غير مباشرة إلى عدد من أهداف التنمية المستدامة الأخرى، ومنها تعزيز الابتكار، وتنمية رأس المال البشري، ودعم النمو الاقتصادي، وتقليص الفجوات المعرفية، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحديات المستقبلية.

الحوكمة التعليمية من الإدارة إلى صناعة الأثر

تشير الأدبيات الحديثة في مجال تطوير التعليم إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في توفر الموارد فقط، بل في جودة الحوكمة التعليمية وقدرة المؤسسات على إدارة الموارد والمعارف والشراكات بصورة تحقق الأثر المستدام.

ومن هنا تبرز أهمية هذه المذكرة باعتبارها إطارًا مؤسسيًا يعزز مبادئ الحوكمة الرشيدة القائمة على الشفافية، والتكامل المؤسسي، والمساءلة، وصناعة القرار المبني على الأدلة. فالتعاون في تنفيذ الدراسات والبحوث المشتركة وتبادل البيانات والمؤشرات التعليمية يسهم في رفع جودة التخطيط الاستراتيجي، وتحسين كفاءة السياسات التعليمية، وتعزيز القدرة على قياس الأداء وتقييم الأثر.

وتنسجم هذه الرؤية مع التحولات التي تشهدها المملكة العربية السعودية في مجال تحديث الإدارة التعليمية وتطوير منظوماتها المؤسسية ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت من الحوكمة والتميز المؤسسي أحد المحركات الرئيسة للتنمية الوطنية.

 

بناء القدرات المؤسسية واستدامة التطوير

تؤكد التجارب الدولية أن نجاح الإصلاحات التعليمية لا يتحقق عبر المبادرات قصيرة المدى، بل من خلال الاستثمار المستمر في بناء القدرات المؤسسية والبشرية القادرة على قيادة التغيير وإدارته.

وفي هذا السياق، تكتسب مذكرة التعاون أهمية استراتيجية كونها تركز على تبادل الخبرات والتجارب بين المختصين، وتعزيز التواصل العلمي والمعرفي، وتوفير منصات مشتركة للتعلم المؤسسي وتبادل المعرفة. فبناء القدرات لا يقتصر على تنمية مهارات الأفراد، بل يشمل تطوير الأنظمة والإجراءات والثقافة المؤسسية التي تضمن استدامة التطوير وتحويل المعرفة إلى ممارسة مؤثرة.

كما أن توسيع نطاق التعاون في المؤتمرات والندوات والمنتديات العلمية يسهم في تعزيز مجتمعات الممارسة المهنية، ويدعم نقل المعرفة بين المؤسسات والخبراء وصناع القرار، بما يعزز جاهزية القطاع التعليمي للتعامل مع المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.

مركز اليونسكو الإقليمي ودوره في الدبلوماسية التعليمية

تمثل هذه المذكرة أيضًا انعكاسًا للدور المتنامي الذي يؤديه مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم بوصفه منصة إقليمية للخبرة والمعرفة والحوار التربوي. فمن خلال برامجه ومبادراته وشراكاته المتعددة، يعمل المركز على تعزيز ثقافة الجودة والتميز، ودعم تطوير السياسات التعليمية، وبناء الجسور بين الخبرات الوطنية والإقليمية والدولية.

وفي عالم أصبحت فيه المعرفة أحد أهم أدوات القوة الناعمة، تبرز المؤسسات التعليمية المتخصصة بوصفها فاعلًا رئيسًا في الدبلوماسية التعليمية، وفي بناء شبكات التعاون التي تسهم في تحقيق التنمية وتعزيز التفاهم بين الشعوب. ومن هذا المنظور، فإن الشراكة مع وزارة التعليم تمثل إضافة نوعية لمسيرة المركز، وتفتح آفاقًا أوسع للتعاون العلمي والمعرفي على المستويين الإقليمي والدولي.

المملكة العربية السعودية وصناعة المستقبل التعليمي

تأتي هذه المذكرة في مرحلة تشهد فيها المملكة تحولًا تاريخيًا في قطاع التعليم، مدفوعًا برؤية طموحة تستثمر في الإنسان باعتباره الثروة الوطنية الأهم. وقد نجحت المملكة خلال السنوات الماضية في بناء منظومة تعليمية أكثر تطورًا وانفتاحًا على التجارب العالمية، مع المحافظة على خصوصيتها الثقافية وهويتها الوطنية.

وفي هذا السياق، يمثل التعاون بين وزارة التعليم ومركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم نموذجًا للشراكات التي تتجاوز البعد الإجرائي إلى صناعة الأثر الاستراتيجي طويل المدى، من خلال توظيف المعرفة والبحث العلمي والابتكار لبناء مستقبل تعليمي أكثر جودة واستدامة.

إن القيمة الحقيقية لهذه المذكرة تكمن في قدرتها على تحويل التعاون المؤسسي إلى منصة لإنتاج المعرفة، وتعزيز الحوكمة، وبناء القدرات، وتطوير السياسات التعليمية القائمة على الأدلة. وهي بذلك لا تمثل اتفاقية تعاون فحسب، بل تعكس رؤية مشتركة تؤمن بأن التعليم هو الاستثمار الأكثر استدامة، وأن الشراكات المعرفية الفاعلة هي الطريق نحو تحقيق التنمية الشاملة وصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة.

ومن هنا، فإن هذه الشراكة تشكل خطوة استراتيجية في مسيرة المملكة نحو ترسيخ مكانتها مركزًا عالميًا للمعرفة والابتكار والتميز التعليمي، وإسهامًا نوعيًا في الجهود الدولية الرامية إلى بناء أنظمة تعليمية قادرة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة