بقلم- موضي عوده العمراني
حين يعتلي النرجسي منصته، لا يبحث عن العقول التي تنير له الطريق، بل عن الأيدي التي تُجيد التصفيق، وعن الوجوه التي تهز رؤوسها موافقةً، حتى وإن كانت تسير معه نحو الهاوية. فهو لا يحب المرايا الصادقة، بل يعشق المرايا التي لا تعكس إلا صورته كما يريد أن يراها.
وحول كل عرشٍ للنرجسية، تنشأ حاشيةٌ تتقن فن الصدى؛ ترى بعينيه، وتتحدث بلسانه، وتصفق لقراراته قبل أن تفهمها. ومع مرور الوقت، يصبح الاختلاف خيانة، والنصيحة وقاحة، والكفاءة تهديدًا لعرشٍ لم يُبنَ على الحكمة، بل على الإعجاب بالنفس.
عندها يُقصى أصحاب الرأي، ويغادر أهل الخبرة، وتُفتح الأبواب لأصحاب المصالح والمصفقين، حتى يغدو المكان غرفةً واسعةً للصدى، يتردد فيها صوتٌ واحد، ويغيب عنها العقل.
لكن الحقيقة التي لا يدركها ملوك الوهم هي أن التصفيق لا يصنع قيادة، وأن كثرة الأتباع لا تعني صواب الطريق. فالقائد الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الواقفين خلفه، بل بوجود من يملك الشجاعة ليقول له: «لقد أخطأت».
فما أكثر الذين أحاطوا أنفسهم بحاشية التصفيق حتى صدقوا أنهم لا يخطئون، وما أقل القادة الذين اختاروا الحكماء على المصفقين فبقي ذكرهم وأثرهم. لأن التصفيق ينتهي بانتهاء المشهد، أما الحكمة فتبقى، وإن غاب أصحابها؛ فالأصوات المرتفعة تصنع ضجيجًا عابرًا، أما البصيرة فتصنع تاريخا لا ينسى .