الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ يونيو-٢٠٢٦       3135

بقلم ـ د. علي بن  عالي  السعدوني 

ليست الجامعات مباني شاهقة تتزين باللافتات والأسماء الكبيرة، ولا قاعات دراسية تمتلئ بالطلاب الذين ينتظرون نهاية المحاضرة للحصول على درجات النجاح والانتقال إلى المستوى التالي، بل هي مؤسسات تُقاس قيمتها بقدرتها على صناعة العقول القادرة على التفكير والتحليل والنقد والإبداع، وبمقدار ما تتركه من أثر علمي ومعرفي في طلابها وفي مجتمعها وفي مسيرة التنمية الوطنية التي تراهن على الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية التي لا تنضب مهما تغيرت الظروف وتبدلت المعطيات.
وعندما نتأمل تجربة جامعة الملك عبدالعزيز نجد أنفسنا أمام نموذج جامعي استطاع أن يربط بين التعليم وسوق العمل، وبين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وبين احتياجات المجتمع ومتطلبات المستقبل، فالتخصصات التي تطرحها الجامعة لا تأتي بوصفها استجابة مؤقتة لرغبة عابرة ، وإنما تأتي نتيجة قراءة واعية للتحولات الاقتصادية والتقنية والمهنية التي يشهدها العالم، ونتيجة إدراك عميق بأن الجامعات الناجحة هي التي تسبق المتغيرات ولا تنتظر وصولها، وهي التي تصنع الفرص لطلابها قبل أن يبدأوا رحلة البحث عنها بعد التخرج.
كما أن الجامعة لم تحصر دورها داخل أسوار الحرم الجامعي، ولم تجعل خدماتها مقتصرة على طلابها النظاميين فحسب، بل اتجهت إلى صياغة منظومة نوعية تضم الدبلومات المهنية والبرامج التأهيلية والدورات التدريبية التي وصلت إلى مختلف مناطق المملكة، والتي أتاحت للراغبين في التطوير المهني فرصة اكتساب مهارات ومعارف جديدة تسهم في تحسين أوضاعهم الوظيفية وتوسيع آفاقهم العلمية في صورة تعكس فهماً متقدماً لمعنى الجامعة الحديثة التي تؤمن بأن رسالتها لا تتوقف عند منح الشهادات وإنما تمتد إلى خدمة المجتمع وصناعة الفرص وبناء الكفاءات الوطنية.
وفي مشهد مختلف تبدو بعض الجامعات الصغيرة في المحافظات ما زالت تتحرك داخل إطار ضيق لا ينسجم مع الطموحات الكبرى التي تعيشها المملكة في قطاع التعليم حيث يطغى الاهتمام بالجوانب الإجرائية والشكلية على حساب بناء البيئة العلمية القادرة على إنتاج المعرفة وصناعة الباحثين، فتتحول الدراسة الجامعية في بعض الأحيان إلى رحلة روتينية يتنقل فيها الطالب بين المحاضرات والاختبارات دون أن يكتسب المهارات الفكرية والعلمية التي تميز خريج الجامعة عن غيره.
فالبحث العلمي في بعض تلك المؤسسات لا يزال بعيدًا عن دوره الحقيقي الذي يفترض أن يكون المحرك الرئيس للحياة الجامعية، والطالب يقضي سنوات الدراسة وهو يتعامل مع ملخصات ومذكرات مختصرة تختزل العلوم والمعارف في صفحات محدودة، وتقدم المادة العلمية في صورة جاهزة لا تفتح أمامه أبواب التساؤل ولا تدفعه إلى الرجوع للمراجع ولا تعوده على ممارسة القراءة العميقة التي تصنع الشخصية الأكاديمية القادرة على الاستقلال الفكري والبحث والاستقصاء والتحليل.
وعندما يغيب البحث العلمي بوصفه ثقافة يومية وممارسة مستمرة داخل الجامعة، وعندما تصبح المحاضرة مجرد عملية تلقين  لا يشارك فيها الطالب بالنقاش ولا بالمساءلة ولا بإبداء الرأي المدعوم بالحجة والبرهان فإن النتيجة الطبيعية تتمثل في تخريج أعداد من الطلاب الذين يحملون شهادات جامعية لكنهم يفتقرون إلى الأدوات التي تمكنهم من توظيف معارفهم بصورة صحيحة أو مناقشة القضايا المرتبطة بتخصصاتهم بلغة علمية رصينة ومقنعة.
ولعل أوضح الأمثلة على ذلك ما يمكن ملاحظته أحيانًا في بعض التخصصات الإنسانية حيث يتخرج الطالب بعد سنوات طويلة من الدراسة الجامعية وهو عاجز عن بناء رأي علمي متكامل أو صياغة حجة منطقية متماسكة أو التعبير عن أفكاره بلغة تخصصية تعكس حجم التأهيل الذي حصل عليه، وكأن سنوات الدراسة مرت عليه بوصفها متطلبات إدارية للحصول على وثيقة التخرج أكثر من كونها تجربة معرفية عميقة تهدف إلى بناء العقل وتطوير القدرات وصقل المهارات.
أما جامعة الملك عبدالعزيز فقد أدركت مبكرًا أن الجامعة القوية تبدأ من الأستاذ القوي والباحث المتميز، ولذلك حرصت على استقطاب الكفاءات العلمية وأصحاب المنجزات البحثية والخبرات الأكاديمية المتراكمة؛ لأن المؤسسات التعليمية لا تصنع تميزها بالأنظمة واللوائح وحدها، وإنما تصنعه بالعقول التي تعمل داخلها وبالخبرات التي تقود مسيرتها وبالثقافة العلمية التي تسود بيئتها الأكاديمية وتنعكس على طلابها ومخرجاتها ومكانتها العلمية.
والمتأمل في واقع التعليم العالي يدرك أن الجامعات الصغيرة لا تحتاج إلى إعادة اختراع النجاح من جديد، ولا إلى البدء من نقطة الصفر في بناء تجاربها الأكاديمية فبين يديها نماذج وطنية ناجحة يمكن الاستفادة منها والاقتباس من خبراتها وتبادل الزيارات العلمية معها والاطلاع على آليات عملها وبرامجها وشراكاتها وتجاربها البحثية؛ لأن الرؤية المؤسسية لا تكمن في الاكتفاء بمراقبة التجارب الناجحة من بعيد، وإنما في الاقتراب منها والتعلم منها وتحويل نجاحاتها إلى فرص تطوير يمكن أن تنعكس إيجابًا على جودة التعليم ومستوى الخريجين ومستقبل الجامعات في مختلف مناطق المملكة.
إن الجامعة التي تصنع العقول ليست تلك التي تكتفي بمنح الشهادات في نهاية المطاف، وإنما تلك التي تمنح طالبها القدرة على التفكير قبل التخرج، والقدرة على البحث قبل الحصول على الوظيفة، والقدرة على التعبير عن رأيه بثقة وكفاءة واحترام للمنهج العلمي، والقدرة على أن يكون إضافة لوطنه ولمجتمعه ولمجال تخصصه؛ لأن الشهادة قد تمنح الإنسان لقبًا أكاديميًا أما الجامعة الناجحة فهي التي تمنحه عقلًا قادرًا على صناعة الفرق وإحداث الأثر وقيادة المستقبل.