بقلم- د.إيمان حماد الحماد
الوقتُ لا يستأذنُ حين يمضي، ولا يعتذرُ حين يُفلتُ من بين الأنامل كالماءِ الزُّلالِ على الرَّمل الجافّ.
وما أكثرَ ما يقفُ الإنسانُ على أعتابِ قراراتِه، يُسوِّفُ ويُماطلُ، ويترقَّبُ اللحظةَ المثلى التي لا تجيء، حتى يُدركَه الفواتُ وهو لا يزالُ يُحصي الخُطوات.
فاليومُ الذي يُؤخَّرُ فيه القرارُ هو يومٌ يُوهَبُ للندم، وساعةٌ تُقدَّمُ على طبقٍ من الحسرات.
فالنفسُ البشريةُ ميدانٌ لا يهدأُ، وصراعٌ لا يُوضَعُ له سلاح، فيها دواعٍ تدفعُ إلى الأمام، وموانعُ تشدُّ إلى الوراء.
والمتردِّدُ كالمسافرِ الذي يقفُ بين محطَّتين، يخشى الرحيلَ ويملُّ المقام، فلا هو استراحَ ولا هو وصل، يَعِدُ نفسَه كلَّ صباحٍ بغدٍ أكثرَ وضوحاً، فإذا جاءَ الغدُ وجدَه محمَّلاً بأعذارٍ جديدة، كأنَّ التأجيلَ وراثةٌ تنتقلُ من يومٍ إلى يوم.
وقد نعتبر التردُّدُ توقُّفاً مؤقتا، ولكنه في الحقيقة سيرٌ إلى الخلف في ثوبِ الوقوف. فكم من فرصةٍ أُحكِمَ إغلاقُ بابِها بمفتاحِ "سأفكِّر" ، وكم من علاقةٍ ذَوَتْ لأنَّ كلمةَ الاعتذارِ تأخَّرت حتى فقدَتْ ماءَها ، وكم من حلمٍ تحوَّلَ رماداً لأنَّ صاحبَه انتظرَ الظروفَ المواتية، وهي لا تُواتي إلّا من يجترئُ عليها.
فالتأجيلُ وهمٌ يُسكِن العقول ...
يُخيَّلُ إلى المُسوِّفِ أنَّه يوفِّرُ وقتاً، وهو في واقع الأمر يهدرُه. يظنُّ أنَّه يُحكِمُ التفكير، وهو بالحقيقة يُحكِمُ قيودَه .
فالتأجيلُ أفيونٌ ناعمٌ يُسكِّنُ ألمَ القرار، لكنَّه لا يُداوي العلَّة، بل يُغرِقُها في الأعماق حتى تتحوَّلَ إلى قناعةٍ مُعطِّلة.
والعجيبُ أنَّ الإنسانَ يُؤجِّلُ ما ينفعُه، ويُبادرُ إلى ما يضرُّه. يُؤجِّلُ التوبةَ والإصلاحَ والصِّلةَ والقرار، ثم يندفعُ نحو الغضبِ واللهوِ والانشغالِ دون تفكير. كأنَّ النفسَ تميلُ بطبعِها إلى ما يُريحُها في اللحظة، وتنفرُ مما يُعالجُها في الأمد.
لكل ذلك ، أعتبر لحظةُ الحسمِ.. منحةٌ إلهيّة ..
فثمَّةَ لحظاتٌ تمرُّ على الإنسانِ كالبرقِ في ليلةٍ مُظلمة، تُضيءُ الدربَ للحظةٍ ثم تخبو ، تلكَ هي لحظاتُ الوضوحِ التي يرى فيها المرءُ الحقَّ جليّاً، ويحسُّ بنداءٍ داخليٍّ يأمرُه بالحركة ، فإن أجابَ كانَ قد اختطفَ من الزمنِ عطيَّةً ثمينة، وإن تلكَّأَ أطبقَ الغيمُ مجدَّداً، واحتاجَ إلى أضعافِ ما مضى حتى يُبصِرَ من جديد.
والقرارُ الصائبُ الذي يُتَّخَذُ في وقتِه زهرةٌ في أوانِ الرَّبيع، أمَّا المُؤجَّلُ فثمرةٌ فسَدَتْ على الشجرةِ قبلَ أن تُقطَف.
والوقتُ الذي تراه مجرَّدَ فُرصةٍ للتفكير، هو ثمنٌ يُدفَعُ مرَّتين: مرةً حين يُصرَفُ، ومرةً حين يُضاع.
فلنتطلع جميعا نحوَ قرارٍ لا يُؤجَّل ..
ولتعلمْ أنَّ كلَّ قرارٍ تتهرَّبُ منه لا يختفي، بل يتراكمُ في داخلِكَ حتى يصيرَ عِبئاً يُثقِّلُ خُطوَتَك. وأنَّ كلَّ "غداً" تُطلِقُها هي حجرٌ تُضيفُه إلى جدارِ التعطُّل. أمَّا كلُّ "الآن" تجترئُ عليها فهي فتحٌ جديدٌ في باب مُغلق.
قاطِعْ دابرَ التردُّد، واعلمْ أنَّ الكمالَ وهمٌ ثمينٌ وأنَّ الوقتَ المناسبَ هو الوقتُ الذي أنتَ فيه. وضعْ يدَكَ على قلبِكَ وانصِتْ، فإنَّ الحقيقةَ لا تُحبُّ الإطالةَ في الشرح. خُذِ القرارَ قبلَ أن يأخُذَكَ الزمنُ إلى حيثُ لا قرارَ ينفع.
وتذكر ...
أن حياتُكَ مجموعةٌ من القراراتِ التي اتَّخذتَها، والقراراتِ التي أجَّلتَها. والفارقُ بين من صنعَ حياتَه ومن شكا منها هو هذا: قرارٌ واحدٌ لم يُؤجَّل. فلا تنتظرِ الموجةَ المثلى لتُبحِر، فإنَّ البحارَ الحقيقيَّ يُبحرُ بما تحتَه، ويصنعُ من الريحِ عوناً ومن العاصفةِ درساً.
كُنْ أنتَ القرارَ قبلَ أن تتَّخِذَه، وكُنِ الفعلَ قبلَ أن تُخطِّطَ له، فإنَّ الحياةَ لا تُكتَبُ للمنتظرين.
وما التأجيلُ إلّا قبرٌ يدفنُ فيه الإنسانُ أحلامَه وهو حيٌّ يرزق.
وبعد كل ذلك ...
ماذا قررت ؟؟؟