بقلم-عبدالمحسن محمد الحارثي
لم يعد الشرق الأوسط مجرد رقعة جغرافية مثقلة بالصراعات، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز في بنية النظام الدولي، تتقاطع عندها خطوط السياسة والاقتصاد والطاقة والدين والهجرة والأمن العالمي.
ومن ثمّ ؛ فإن ما يحدث فيه لا يبقى محليًا، بل ينعكس على العالم بأسره، صعودًا أو اضطرابًا.
وفي قلب هذا المشهد ؛ تقف القضية الفلسطينية بوصفها العقدة الأكثر حضورًا واستمرارًا، ليس فقط لأنها صراع حدود، بل لأنها صراع روايات تاريخية وحقوق سياسية ورمزية دينية تتجاوز الإقليم إلى الوعي العالمي نفسه.
ولهذا ؛ فإن أي محاولة لفهم الاستقرار في المنطقة دونها، تبقى قراءة ناقصة في جوهرها.
أما القدس الشرقية ؛ فهي ليست مدينة في النزاع فحسب، بل نقطة تكثّف رمزي هائل، تتقاطع فيها الديانات والتاريخ والسيادة، وتنعكس عليها حساسية العالم تجاه مفهوم العدالة نفسه في هذا القرن.
من هذا السياق ؛ جاءت اتفاقيات أبراهام بوصفها تحوّلًا مهمًا في مسار العلاقات الإقليمية، أعاد رسم خطوط التواصل بين دولٍ كانت لعقود طويلة في حالة قطيعة أو توتر..لكنها في جوهرها تطرح سؤالًا أوسع من الإقليم: هل يمكن إعادة تشكيل الاستقرار في منطقة مركزية عالميًا دون معالجة أصل الصراع فيها؟!
إن أي هندسة سياسية أو اقتصادية تتجاوز الجذر الفلسطيني ، تبقى معرضة بطبيعتها للاهتزاز ؛ لأن القضايا المؤجلة في التاريخ لا تُمحى، بل تُخزَّن في طبقات الواقع حتى تعود في لحظة أكثر تعقيدًا.
ولهذا ؛ فإن “حل الدولتين” لا يظهر هنا كخيار تفاوضي محلي فقط، بل كاختبار لقدرة النظام الدولي على إنتاج حلول عادلة في أكثر الملفات حساسية.
وفي هذا الإطار ؛ يمكن القول إن حجر الزاوية لأي استقرار إقليمي أو عالمي مرتبط بالشرق الأوسط هو معالجة القضية الفلسطينية بوصفها أصل الاختلال التاريخي في المنطقة، لا مجرد فرع من فروعها.
فكل مشروع يتجاهل هذا الأصل ؛ يبني استقرارًا ظاهريًا فوق أرض غير محسومة، وهو ما يجعل استمراريته موضع شك مهما بدا قويًا في بدايته.
وتُظهر تجارب التاريخ ؛ أن النظام الدولي لا يتحرك فقط بمنطق القوة أو المصالح، بل أيضًا بمنطق التراكم التاريخي للأزمات غير المحلولة.
فالقضايا التي تُرحّل من جيل إلى آخر لا تختفي، بل تتحول إلى أنماط جديدة من التوتر، أكثر تعقيدًا وأوسع امتدادًا.
ومن منظور أعمق ؛ يمكن فهم حركة الدول عبر ما يشبه “سنن التاريخ” ، حيث لا يستقر نظام يقوم على تجاهل الجذور أو إهمال العدالة ؛ لأن الزمن لا يعمل لصالح التجاهل، بل يعيد إنتاجه في صور مختلفة.
وكأن التاريخ يملك آلية تصحيح ذاتية، تُعيد فتح الملفات التي لم تُغلق بشكل عادل.
وعلى المستوى العالمي ؛ فإن الاستقرار لا يقوم على توازن القوة وحده، بل على حد أدنى من العدالة القابلة للحياة. فالقوة قد تُنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع طمأنينة دائمة.
وبين الاثنين تتحدد طبيعة النظام الدولي: هل هو نظام إدارة أزمات، أم نظام صناعة استقرار؟
ومن زاوية حضارية ؛ فإن المشتركات الإبراهيمية بين الديانات الكبرى تمثل إمكانًا رمزيًا مهمًا للتقارب الإنساني، لكنها تظل غير كافية وحدها لبناء سلام سياسي ما لم تُترجم إلى واقع يراعي الحقوق والتوازنات.
فالمعنى الروحي يفتح الباب، لكن العدالة هي التي تُبقيه مفتوحًا.
أما المبادرات العربية ؛ وفي مقدمتها طرح الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – للسلام، فقد قدّمت تصورًا يقوم على معادلة واضحة: الأرض مقابل السلام، والاعتراف مقابل الانسحاب، في محاولة لتأسيس منطق توازن بين التاريخ والواقع، بدل إدارة الصراع دون حسم جذوره.
إن العالم اليوم ؛ لا ينظر إلى الشرق الأوسط بوصفه ملفًا إقليميًا منفصلًا، بل بوصفه جزءًا من هندسة الاستقرار العالمي.
فاضطرابه ؛ ينعكس على الاقتصاد العالمي، وعلى أمن الطاقة، وعلى مسارات الهجرة والتحالفات، وعلى شكل النظام الدولي نفسه.
ولهذا ؛ فإن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف تفاوضي، بل معيار لقياس قدرة العالم على إنتاج عدالة قابلة للاستمرار.
فإذا نجح في إدارتها بإنصاف ؛ انعكس ذلك استقرارًا عالميًا أوسع؛ وإذا فشل ؛ ظلَّ التوتر قابلاً للتمدد خارج حدوده الجغرافية.
وفي النهاية ؛ تبقى الحقيقة الجوهرية واضحة: لا استقرار عالميًا حقيقيًا دون معالجة جذور الصراع في الشرق الأوسط، ولا نظام دوليًا متوازنًا يمكن أن يقوم على تأجيل العُقَد الكبرى.
فالتاريخ لا يُغلق ملفاته بالإهمال، بل يُعيد فتحها حتى تُعالج على نحوٍ عادل، أو تظل معلّقة في قلب النظام العالمي كاختبار دائم لقدرته على الاستقرار.