الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ مايو-٢٠٢٦       4620

بقلم ـ عيسى المزمومي

ثمة أصوات لا تُغني فقط، بل تُعيد ترتيب القلب من الداخل، كأنها مطرٌ قديم يسقط على ذاكرة اليابسة. وحين نتأمل تجربة  طلال  مداح، فإننا لا نقف أمام مطربٍ عابر في تاريخ الأغنية العربية، بل أمام حالة إنسانية نادرة استطاعت أن تجعل من الفن لغةً للروح، ومن الحنين وطنًا يسكن الناس!
كان  طلال  يشبه أغنيته الأولى “وردك يا زارع الورد”؛ بسيطًا كزهرة، وعميقًا كالمعنى الذي يختبئ خلف العطر. خرج من طفولةٍ مثقلة باليتم، لكنه حمل قلبًا يعرف كيف يحوّل الألم إلى جمال، والصمت إلى موسيقى، والانكسار إلى دفء إنساني يلامس الآخرين دون ضجيج!
لم يكن الفن عنده استعراضًا للصوت، بل طريقة لفهم الحياة. ولذلك حين غنّى “وطني الحبيب”، لم يكن يؤدي نشيدًا وطنيًا بقدر ما كان يكتب سيرة عشقٍ كاملة بين الإنسان وأرضه. كان الوطن في صوته أكثر من جغرافيا؛ كان ذاكرةً وأمًّا وملجأً أخيرًا للروح المتعبة.
وفي زمنٍ كانت الأغنية الخليجية تبحث فيه عن نافذةٍ نحو العالم العربي، جاء  طلال  كمن يحمل قنديلًا في ليلٍ طويل. لم يقتحم الساحة بالصخب، بل تسلل إلى القلوب بهدوء العارفين. وحين قال “عطني المحبة”، بدا وكأنه لا يخاطب امرأة بعينها، بل الإنسان كله، ذلك الكائن العطِش إلى دفءٍ حقيقي في عالم يزداد برودة!
كان  طلال  مداح أقرب إلى شاعرٍ يختبئ داخل جسد مطرب. ولذلك جاءت أغانيه مزيجًا نادرًا من الحكمة والعاطفة والتأمل. وحين صدح بـ “مقادير”، لم يكن يغني للحب فقط، بل كان يتأمل هشاشة الإنسان أمام أقداره، وعجز القلب أمام ما يفرضه الزمن من فراق وتحولات!
وفي “زمان الصمت” بدا كأنه يكتب فلسفة كاملة عن الوحدة الحديثة؛ عن الإنسان الذي تضيع روحه وسط الضجيج، فيكتشف أن أكثر الأشياء قسوة ليست الكلمات الجارحة، بل الصمت حين يصبح قدرًا طويلًا. أما “من بعد مزح ولعب”، فلم تكن مجرد أغنية عاطفية، بل اعترافًا إنسانيًا ناعمًا بأن القلب، مهما تظاهر بالقوة، يبقى هشًّا أمام الحب والخذلان والحنين!
لقد امتلك  طلال  ما لا يُشترى: الصدق. فالناس قد تُصفق للصوت الجميل، لكنها لا تمنح الخلود إلا لمن يُشبهها في ضعفه الإنساني وصدق مشاعره. ولهذا بقي حاضرًا حتى بعد الغياب، لأن الفن الحقيقي لا يموت، بل يتحول إلى ذاكرة جماعية تعيش داخل الأجيال! 
وكانت علاقته بالموسيقى أشبه بعلاقة المتصوف بالحقيقة؛ يقترب منها بخشوع، لا بغرور. ولذلك ظل وفيًا لروحه الهادئة، بعيدًا عن ضوضاء الشهرة واستعراض النجومية. كان يؤمن أن الفنان الحقيقي لا يقاس بعلو صوته، بل بعمق أثره.
وحين غنّى “أحبك لو تكون حاضر”، بدا كأن الغياب عنده ليس غياب الأشخاص فقط، بل غياب الطمأنينة نفسها. فطلال لم يكن يغني الكلمات، بل كان يسكنها، حتى تشعر أن صوته يخرج من منطقة خفية في الروح لا يصلها الآخرون! 
وفي سنواته الأخيرة، صار أكثر ميلًا إلى التأمل، كأن العمر علّمه أن الحياة ليست سوى رحلة قصيرة بين حنينين. ولذلك جاءت أغنيات مثل “أنا راجع أشوفك” و”قصري بعد المسافة” محملة بإحساس إنساني عميق، يختلط فيه التعب بالأمل، والخذلان بالرغبة الأخيرة في النجاة.
أما “وعدك متى”، فبدت كأنها سؤال وجودي أكثر منها أغنية حب؛ سؤال الإنسان الذي ينتظر شيئًا لا يعرف إن كان سيأتي، لكنه يواصل الانتظار لأن القلب لا يعرف سوى الأمل!
وحين رحل  طلال  على المسرح، وهو يحتضن الفن الذي عاش له، بدا المشهد وكأنه قصيدة أخيرة كتبها القدر بنفسه. رحل الجسد، لكن “صوت الأرض” بقي حيًا، يتردد في ذاكرة الوطن كما تتردد الأدعية القديمة في قلب الليل.
إن الحديث عن  طلال  مداح ليس حديثًا عن مطرب فقط، بل عن زمنٍ كامل كان الفن فيه أكثر نقاءً، وأكثر قربًا من الإنسان. زمن كانت فيه الأغنية تُشبه رسالة حب طويلة بين الروح والعالم.
وفي النهاية، لا يُقاس الفنان العظيم بعدد الأغاني، بل بقدرته على البقاء في وجدان الناس بعد الرحيل. وهنا تحديدًا تكمن عظمة  طلال  مداح؛ فقد غاب الإنسان، لكن صوته ما زال يهمس في أعماقنا: “صعب السؤال”… كيف يمكن لصوتٍ واحد أن يتحول إلى وطنٍ كامل من الحنين؟!