الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مايو-٢٠٢٦       10010

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

في زمنٍ تتآكل فيه العلاقات تحت وطأة المصالح العاجلة، وتذبل فيه كثيرٌ من الصداقات عند أول اختلافٍ أو بُعد؛ تبقى بعض الأخوّة كأنها غُصنٌ من شجرةٍ مباركة، لا تهزّه الرياح، ولا تُسقطه المواسم.
ومن هذا القبيل؛ كانت علاقتي بأخي العزيز خالد عائض الثبيتي، تلك العلاقة التي لم تُبنَ على ظرفٍ عابر، ولا على منفعةٍ مؤقتة، بل تأسست منذ الطفولة على صفاء النيّة، ونقاء القلب، وصدق الودّ..وقد قيل قديماً:
"الصديق الحقيقي هو الذي يمشي إليك حين يبتعد عنك الآخرون".

في الطائف، وتحديداً في حيّ الشهداء الجنوبية ؛ بدأت الحكاية..هناك عشنا طفولتنا معاً، وتقاسمنا براءة البدايات، ودرسنا مراحل التعليم في مدرسة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ،ومدارس دار التوحيد المتوسطة والثانوية ، قبل أن تمضي بنا الحياة إلى مساراتها المختلفة؛ فيلتحق  خالد الثبيتي  بالمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة ـ التي أصبحت اليوم الهيئة السعودية للمياه ، تحت المسمى الوظيفي "رئيس  قسم وحدة الخدمات الإدارية في الإسكان".
ـ بينما انخرطتُ أنا في الميدان التعليمي بالطائف وتخرَّجتُ مُعلماً. 
لكن اختلاف المسارات لم يُضعف الطريق المشترك بين قلبين جمعتهما المحبّة الصادقة.

وفي معنى هذا الصفاء ، يقول الله تعالى:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.
فما بُني على التقوى والمحبّة الصادقة؛ يبقى، وإن غيّرت الأيام وجوهها.

كانت لنا صحبةٌ واسعة من الأصدقاء والأحباب، وما زال بيننا وبينهم الودّ والتواصل، وإن فرّقت بيننا مشاغل الحياة وتقلبات الأيام. 

غير أن بعض العلاقات يبقى عصيّاً على الانقطاع، لأن جذوره أعمق من المسافات، وأصدق من المجاملات؛ وهكذا كانت علاقتي بخالد، شريانها ممتدٌّ بين الطائف وجدة، تتخلله اللقاءات والأسفار داخل الوطن وخارجه، فنزداد مع الأيام معرفةً ووفاءً.
وقد صدق القائل:
“الرفيق قبل الطريق” ؛ 
لأن السفر يكشف معادن الرجال، ولا يبقى في الذاكرة إلا أصحاب المواقف النبيلة.

ولعلّ أجمل ما في هذه الأخوّة أنها لم تعرف ذلك التكلّف الذي يُرهق العلاقات، ولا الحسابات الدقيقة التي تُفسد صفاء النفوس. 

مرّت علينا الحياة بما فيها من اختلاف الرؤى وضغط الظروف، لكن العلاقة بقيت محفوظةً بحفظ الله، كأنها في برجٍ من أبراج الرحمة؛ لا تهدمها الزلات، ولا تعصف بها العوارض.

فما كان بيننا يوماً زعلٌ يُفضي إلى قطيعة، ولا خصامٌ يترك ندبةً في القلب ؛ لأننا أدركنا باكراً أن التغافل عن الهفوات هو رُمانة الميزان في بقاء الودّ، وأن العلاقات العظيمة لا يحفظها الانتصار للنفس، بل يحفظها التسامح وسعة الصدر.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل الذي يعرف خير الشرّين"..ومن جميل الحكمة أيضاً:
"إذا صفا الودّ؛ سقط العتب".

وأنا اليوم ؛ أكتب عن أخي الذي لم تلده أُمِّي "خالد الثبيتي" ؛ فإنني لا أكتب عن أخٍ وصديقٍ عابر، بل عن نفسٍ نقيّة عرفتها عن قرب؛ رجلٌ مُحبٌّ للخير، يرى الناس سواسية، ينقد دون تجريح، ويغضب دون أن يقطع، ويجامل دون انتظار مصلحة..وإذا أحبّ ؛ صَدَق، وإذا ابتعد عن أحدٍ ؛ انسحب بأدبٍ دون خدشٍ أو إساءة.
ومن الصفات التي تستوقفني فيه؛ تلك الإنسانية الهادئة التي لا تُعلن نفسها، لكنها تظهر في المواقف الصغيرة قبل الكبيرة.
ويحضرني هنا قول النبي ﷺ:
«خير الناس أنفعهم للناس».
وقول الإمام علي رضي الله عنه:
"خُلُقُ الرجل عنوانُ عقله".

ولعلّ يُتْم الأب الذي عاشه منذ نعومة أظافره، ثم تربية والدته الفاضلة له ولإخوته ؛ كان لهما أثرٌ بالغ في تشكيل شخصيته؛ فقد كانت والدته مثالاً للأم الصابرة الحكيمة، فانعكس فضل تربيتها على برّه بها، وعلى ما يحمله في قلبه من رحمةٍ واتزانٍ ووفاء..نسأل الله أن يمدّها بالصحة والعافية، وأن يحسن خاتمتها وخاتمتنا جميعاً.
وقد قيل:
"الأم مدرسةٌ إذا أعددتها ؛ 
أعددت شعباً طيّب الأعراق".
ولا غرو؛ فالأمهات العظيمات يصنعن رجالاً يشبهون الدعاء المستجاب.

واليوم، وبعد أن تجاوزنا الستين عاماً، وتقاعد كلٌّ منا عن عمله؛ ما زلنا نلتقي بالمحبّةِ ذاتها، وكأن الزمن لم ينجح في إطفاء جذوة الأخوّة الأولى.
وهنا أستحضر قول الإمام الشافعي:
سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها
صديقٌ صدوقٌ صادق الوعدِ مُنصفا
ويقول المتنبي:
شرُّ البلادِ مكانٌ لا صديقَ بهِ
وشرُّ ما يكسبُ الإنسانُ ما يصِمُ

فبعض الأصدقاء لا تمنحهم الحياة لنا عبثاً، بل يكونون نعمةً تستحق الحمد، وعُمراً آخر نعيشه مطمئنين إلى أن في الدنيا قلوباً تشبه الوفاء.
وقديماً قالت العرب:
“الصديق وقت الضيق”،
لكن الحقيقة الأعمق أن الصديق الحقيقي هو الذي يبقى معك حتى بعد زوال الضيق ؛ لأن الوفاء خُلُقٌ لا ظرف، ومعدنٌ لا يتبدّل بتغيّر الأيام.