بقلم- علي بن عيضة المالكي
لم تعد الحياة في نظري مجرد أيام تمضي، وإنما سلسلة طويلة من الاختبارات النفسية التي تكشف للإنسان حقيقة نفسه قبل أن تكشف له حقيقة الآخرين. ومع كثرة التجارب أدركت أن أكثر ما يرهق الإنسان لا يقف عند صعوبة الحياة وحدها، وإنما يمتد إلى عجزه أحيانًا عن فهم ما يدور داخله؛ ذلك الصراع الخفي بين العقل والمشاعر، بين الرغبة في الاتزان وبين اندفاعات النفس حين تغضب أو تخاف أو تتعلق أو تنكسر.
ومن هنا بدأت أؤمن أن الوعي ليس ثقافة لحظية ولا كلمات تزين الحديث، هي بالتأكيد المطلق حصانة داخلية تحمي الإنسان من الانهيار النفسي ومن التورط في ردود فعل مؤذية أو علاقات تستنزف روحه بصمت. فالإنسان الذي لا يمتلك وعيًا بنفسه يصبح أكثر عرضة للخلل الإدراكي، وأكثر قابلية لأن تقوده مشاعره بدلاً من أن يقودها.
الخلل الإدراكي لا يبدأ دائمًا من الجهل، بيد أنه قد يبدأ من تراكم المشاعر غير المفهومة داخل النفس.
في لحظات الغضب يرى الإنسان العالم بلون مختلف، وفي لحظات الحزن يضيق داخله حتى يشعر أن كل شيء ضده، بينما يجعله التعلق العاطفي يتسامح مع ما لا يجب التسامح معه. هنا تصبح المشاعر قادرة على إعادة تشكيل الحقيقة وفق حالة الإنسان النفسية، فيفقد قدرته على التقييم المتزن للمواقف والأشخاص.
في حين أن الأنا تمتلك دورًا عميقًا في هذا الصراع. فهي بذلك تحاول دائمًا حماية صورة الإنسان أمام نفسه، وقد تدفعه أحيانًا إلى المكابرة أو تفسير الأمور بصورة منحازة حتى لا يشعر بالضعف أو النقص. لذلك قد يتحول النقد إلى معركة، والاختلاف إلى تهديد، ونجاح الآخرين إلى استفزاز خفي للأنا المرهقة.
ومن التجارب التي تعلمتها أن أخطر القرارات هي تلك التي تولد في ذروة الانفعال. فكم من كلمة قيلت تحت تأثير الغضب تركت أثرًا طويلًا، وكم من موقف اندفع إليه الإنسان ثم اكتشف متأخرًا أن مشاعره كانت تقوده نحو الخطأ. لهذا أصبحتُ أرى أن النضج الحقيقي يبدأ عندما يتعلم الإنسان التريث، وأن يمنح نفسه فرصة للتفكير قبل الاستجابة، وأن يفهم أن المشاعر مهما كانت صادقة لا تكفي وحدها لصناعة قرار ناضج.
لقد أدركتُ مع الوقت أن الإنسان يحتاج إلى مساحة هادئة بين ما يشعر به وما يفعله. هذه المساحة الصغيرة هي التي تحميه من الاندفاع، وتحفظ له اتزانه وسط الضغوط والاستفزازات. فالهدوء لا يعتبر ضعفًا كما يظن البعض، وإنما قدرة عالية على إدارة النفس حين تعصف بها الانفعالات.
وفي الجانب الآخر يقف التلاعب النفسي كأحد أكثر الأساليب استنزافًا للروح. فهناك من يتقن اللعب على العاطفة، ومن يحاول إشعارك بالذنب كلما وضعت حدودك، ومن يراك مسؤولًا عن راحته النفسية حتى لو كان ذلك على حساب استقرارك أنت. ومع مرور الوقت يفهم الإنسان أن بعض العلاقات لا تُبنى على المحبة بقدر ما تُبنى على السيطرة الخفية واستنزاف المشاعر.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى بناء شخصية قوية، والقوة هنا لا تعني القسوة أو التعالي، وإنما تعني وضوح الحدود والثبات الداخلي. الشخصية القوية لا تسمح لأحد أن يعبث بقيمتها أو يفرض عليها الشعور بالذنب كي تتنازل عن كرامتها. تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تنسحب من موقف يستنزفها دون حاجة إلى صخب أو انتقام.
لقد تعلمتُ أن الكلمات وحدها لا تكشف حقيقة الناس، فالأفعال أكثر صدقًا من الوعود، والمواقف أكثر وضوحًا من المشاعر المؤقتة. ولهذا لم أعد أؤمن بسهولة الانبهار بالكلام، لأن الوعي يجعل الإنسان أكثر قدرة على قراءة التفاصيل الصغيرة التي تكشف حقيقة النفوس.
من هنا ينبغي أن نشتغل على حماية النفس، فحمايتها من العبث مسؤولية لا يجوز إهمالها. فلا أحد سيشعر بحجم المعارك الداخلية التي يخوضها الشخص كل يوم، ولا أحد سيدرك مقدار الطاقة التي يستهلكها في مقاومة الانفعال أو محاولة الحفاظ على اتزانه وسط الفوضى. لذلك يصبح من الضروري أن يتصالح الإنسان مع ذاته، وأن يمنح نفسه حق الرفض، وحق الابتعاد، وحق الحفاظ على سلامه النفسي دون شعور دائم بالذنب.
فالوعي في النهاية ليس أن يتحول الإنسان إلى شخص بارد المشاعر، وإنما أن يصبح قادرًا على الشعور دون أن يغرق في الفوضى، وعلى التسامح دون أن يتم استغلال مشاعره خطأً، وعلى الحزم دون أن يفقد إنسانيته. وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة يدرك أن أعظم أشكال القوة ليست في السيطرة على الآخرين، وإنما في السيطرة على النفس، وفي القدرة على حماية الروح من تشتت المشاعر ومن عبث السلوكيات المضطربة مهما تغيرت الوجوه والظروف.