النهار

١٦ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ مايو-٢٠٢٦       2365

بقلم- جمعان الكرت

بين زيارتين لمنطقة عسير، كان الفارق الزمني بينهما يزيد على عقدٍ من الزمن؛ الأولى جاءت ضمن القافلة الإعلامية التي نظّمتها هيئة السياحة قبل أن تصبح وزارة للسياحة، حيث جال الإعلاميون القادمون من مختلف مناطق المملكة بين عدد من المواقع التراثية والسياحية، وسجّلوا انطباعاتهم عن تلك الرحلة الثقافية والسياحية، التي شكّلت آنذاك تجربة ثرية ومميزة. وكانت مبادرة تستحق الإشادة لما حملته من أثر إيجابي في إبراز المزايا المتنوعة التي تتمتع بها مناطق وطننا الحبيب، وإن توقفت لاحقًا رغم جدواها وأهميتها.
ولست هنا بصدد استرجاع ما دوّنه الإعلاميون من مشاعر وانطباعات سكبها بعضهم بحبر الوجدان وصدق التأمل، فلكل تجربة زاويتها، ولكل عين دهشتها الخاصة.
أما الزيارة الحالية، التي قادتني إلى الاستقرار فترة من الزمن في عسير، فقد كانت حافلة بما هو مدهش حقًا؛ فالزائر العابر لا يرى غالبًا سوى الواجهة، بينما تكشف الإقامة الطويلة التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان روحه الحقيقية. ومن هنا تتشكل الفروق بين الانطباع السريع والرؤية العميقة، إذ إن كثيرًا من الأحكام تُبنى على العجلة، فيما يحتاج المكان إلى زمن كي يبوح بأسراره.
ومما حفظته الذاكرة عن المكان والإنسان في عسير، من خلال تجوالي في مواقع سياحية وتراثية وحضارية متعددة، ولقاءاتي بأهلها، أستطيع القول إن وطننا الغالي زاخر بكل ما هو مبهج ومُلهم. والحديث عن جماليات المكان في أي بقعة من الوطن يفرض علينا ــ كمواطنين أولًا، وكإعلاميين ثانيًا ــ أن نقول الحقيقة بصدق وأمانة، بعيدًا عن المبالغة أو التجاهل.

وما القرى التراثية في عسير إلا شواهد حيّة على عظمة الإنسان العسيري، الذي تصالح مع البيئة، ونسج منها نموذجًا معماريًا فريدًا يلفت النظر ويستوقف التأمل. والشواهد كثيرة، سواء في قرية المسقي، وآل ينفع، والخلف، والجهمة، وغيرها من عشرات، بل مئات القرى المتشابهة في أصالتها والمختلفة في تفاصيلها الجمالية. وقد أشرت إلى هذه المواقع تحديدًا لتكرار زيارتي لها، مستمتعًا بمشاهدها، ومندهشًا بمفرداتها العمرانية التي تمثل روح تراث عسير وهويته البصرية.

وينطبق الحال ذاته على ما تزخر به منطقة الباحة من قرى تراثية مثل قرية ذي عين وبران و الأطاولة، والموسى، والعبادل ، والملد ورغدان  والظفير وغيرها؛ فهي وجوهٌ متعددة لذاكرة المكان، تستحق الحماية والإبراز، لأن السائح يبحث ــ في المقام الأول ــ عمّا تركه الإنسان من إرث جمالي، سواء في العمارة التقليدية، أو المدرجات الزراعية، أو الملبوسات والمأكولات التراثية، أو حتى الموروث غير المادي المتمثل في الألحان الشعبية، والقصص، والقصائد، والأساطير المتوارثة التي تحفظها الذاكرة الشعبية من النسيان.
وتبرز قرية جُرش الأثرية ــ بضم الجيم ــ كشاهد تاريخي عريق، عاشت منذ ما قبل الإسلام، ثم واصلت حضورها في صدر الإسلام قبل أن تطويها يد الزمن شيئًا فشيئًا، لتبقى بعض أطلالها شاهدًا صامتًا على مدينة نابضة بالحياة ذات يوم. مدينة مرّت بها القوافل التجارية العابرة للجزيرة العربية، من اليمن مرورًا  بجُرش، ثم مكة المكرمة ويثرب، وصولًا إلى البتراء وبلاد الشام، وحتى أرض السواد العظيمة، العراق. وكأن المكان لا يزال يحتفظ بصدى أقدام المسافرين وهم يعبرون طرق التجارة القديمة، تاركين للريح والمطر مهمة حراسة الذاكرة.
ومثلما يحتفظ المكان بقيمته التاريخية، يقف الإنسان شاهدًا حيًا على حماية الإرث الثقافي والجغرافي والتاريخي. ويجسد الباحث التاريخي الأستاذ محمد بن أحمد مُعَبِّر أحد الأسماء اللامعة في عسير؛ إذ يمتلك مكتبة عامرة تضم آلاف الكتب والمراجع التي يقصدها كثير من الباحثين وطلاب الدراسات العليا، من الراغبين في إنجاز رسائل الماجستير والدكتوراه.
وقد كنت محظوظًا بزيارته في مكتبته بمدينة خميس مشيط، حيث تجولت بين رفوفها، واستمتعت بشرحه الوافي، وأعجبني تواضعه الجم، وأخلاقه الرفيعة، وشغفه العميق بالتاريخ والمعرفة. فهو لا يكتفي بعرض مكتبته الثمينة، بل أثرى الساحة الثقافية بعدد من المؤلفات والدراسات التاريخية الثرية، ما يجعله واحدًا من رموز الثقافة والتاريخ في عسير، وشخصية جديرة بالاحتفاء والتكريم.