النهار

٠٦ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ مايو-٢٠٢٦       2805

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

الدول لا تُحب ولا تكره… هذه أول وهلة يجب كسرها.
هي فقط تربح وتخسر.

كل ما يبدو عاطفة في سلوك الدول—غضب، انتقام، صداقة، وفاء—ليس إلا لغة مُهذّبة للمصلحة. 
ومن لم يُدرك هذا ؛ سيظل يقرأ السياسة بعينٍ عاطفية، فيُخطئ حيث يظن أنه يُصيب.

الدولة ليست فردًا، بل عقلٌ جمعيّ؛ تتجاذبه مؤسسات، وتؤثّر فيه نُخب، وتضغط عليه وقائع. قرارها لا يصدر لأنه “الأصح”، بل لأنه الأقدر على الصمود ضمن توازن القوى. وهنا تسقط مثالية التحليل، ويصعد منطق الواقع.

وكما قال هنري كيسنجر:
"لا صداقة دائمة في السياسة، بل مصالح دائمة".
فهي ليست عبارة عابرة، بل مفتاح قراءة؛ فالتقارب اليوم قد يتحول غدًا إلى خصومة ؛ لا تغيّرًا في المبادئ، بل تغيّرًا في الحسابات.

ويذهب نيقولا مكيافيلي إلى أن الحاكم يُقاس بنتائجه لا بنواياه؛ أي أن النتيجة هي التي تعيد تعريف الطريق، لا النية.

ويُقال في منطق السياسة:
"الدول لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح".
وهي قاعدة لا تحتاج تبريرًا بقدر ما تحتاج قراءة للواقع.

وما يُسمّى “حقد الدول”  ؛ ليس إلا ذاكرة استراتيجية. 
فالدولة لا تنسى، لكنها لا تنتقم على طريقة البشر؛ هي فقط تُؤجّل الرد حتى ينضج الظرف.

انظر إلى ما يجري في أوكرانيا منذ الغزو الروسي لأوكرانيا 2022:
دعمٌ غربي محسوب، لا يذهب إلى حدّ الصدام الشامل. 
ليس عجزًا، بل إدارة دقيقة للمخاطر؛ حيث تُوزن كل خطوة بميزان الكلفة قبل المبدأ.

وفي غزة منذ حرب غزة 2023:
يرتفع الخطاب الإنساني، بينما يبقى الفعل السياسي ضمن حدودٍ لا تُهدّد المصالح الكبرى. 
هنا يظهر الفارق بين ما يُقال لإرضاء الضمير، وما يُفعل لحماية المصلحة.

أما في البحر الأحمر ؛ فقد دفعت هجمات جماعة الحوثيين على الملاحة الدولية إلى تشكّل عملية حارس الازدهار بقيادة الولايات المتحدة؛ تحركٌ سريع، لا لأنه غضب، بل لأن الاقتصاد حين يُمسّ، يتقدّم القرار دون تردّد.

وفي العلاقة بين الولايات المتحدة و**الصين**:
تنافسٌ تقني وتجاري حاد، يقابله حرصٌ شديد على منع الانفجار. 
صراعٌ محسوب ؛ لأن كلفة المواجهة الشاملة أعلى من أي مكسبٍ محتمل. وهذه ليست ازدواجية… بل براغماتية صافية.

وفي التوتر المتصاعد بين إيران من جهة، وكلٍّ من الولايات المتحدة و**إسرائيل** من جهة أخرى:
ضربات محسوبة، رسائل نارية، وحدود لا يُسمح بتجاوزها..لا حرب شاملة… بل حافة حرب.
وهنا يصدق المعنى: أن القوة ليست في إشعال الصراع، بل في ضبطه عند الحافة.

وفي حال تصعيدٍ يمسّ مضيق هرمز—ذلك الشريان الذي يمر عبره جزء جوهري من تجارة الطاقة العالمية—فإن المشهد يدخل مستوى أعلى من الخطورة.

فإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه ؛ لا يُعامل كأزمة إقليمية، بل كتهديد مباشر للنظام الاقتصادي العالمي. وهنا لا تتحرك الدول بردّ فعل واحد، بل بثلاث طبقات متدرجة:

أولًا: احتواء فوري عبر حماية الملاحة البحرية ومنع الانهيار اللحظي للتجارة.
ثانيًا: ردع محدود يشمل ضربات أو إجراءات تعيد فتح الممر دون توسع شامل في الحرب.
ثالثًا: إذا استمر التعطيل ؛ ينتقل العالم إلى تصعيد استراتيجي واسع هدفه ليس الحرب ذاتها، بل إعادة فتح الممر بأي ثمن محسوب.

فالقاعدة هنا واضحة:
الممرات العالمية لا تُترك للاختناق ؛ لأن اختناقها يعني اختناق النظام الاقتصادي كله.

وفي فنزويلا:
مارست الولايات المتحدة ضغطًا مركّبًا من عقوبات اقتصادية، ودعمٍ سياسي، ومحاولات لإعادة تشكيل الداخل.
لا دبابات ولا احتلال… لكن تأثيرًا يصل إلى عمق الدولة.
وهنا يتجلى منطق آخر: قد تُدار الدول من الخارج دون أن تُحتل.

الغموض، في هذا كله ؛ ليس نقصًا؛ بل أداة. 
الدولة الواضحة تُقرأ، والمقروءة تُحتوى. لذلك تتعمّد بعض الدول أن تقول نصف الحقيقة، وتفعل أكثرها، وتُخفي بقيّتها.

إذن :
ما الذي تقوله الصورة الكاملة؟

من تتبّع هذه النماذج تتشكل ثلاث قواعد كبرى:

أولًا: المصلحة تسبق كل شيء
وكما يُقال:
"لا عواطف في العلاقات الدولية، بل حسابات باردة".

ثانيًا: الأدوات تتغيّر… لكن الهدف ثابت
حرب، عقوبات، نفوذ اقتصادي، أو ضغط سياسي… كلها أدوات لغاية واحدة: حماية النفوذ أو توسيعه أو منع خسارته.

ثالثًا: إدارة الصراع أهم من حسمه
كثير من الأزمات لا تُحسم، بل تُدار ؛ لأن الحسم الكامل غالبًا أعلى كلفة من استمرار التوازن المضطرب.

حينها :
الدول لا تتحرك في عالم من النوايا، بل في عالم من الاحتمالات.
فإن أردت الفهم الحقيقي…
فاخرج من سؤال: ماذا يقولون؟
وادخل سؤال: ماذا يفعلون عندما تتعارض الأقوال مع المصالح؟

هناك فقط…
تسقط الأقنعة، وتبقى القواعد!!