النهار
بقلم- غازي العوني
الحرب هي العين التي فقأها الغضب فصارت لا ترى إلا سوادها. في البدء لا يكون صوت المدافع بل همس في غرفة باردة حيث يضع رجل إصبعه على الخريطة ويقول هذه لنا ويرد آخر بل كانت لنا ولا أحد منهما يسأل عن الصبي الذي يبني الآن قصر من رمل فوق نفس التراب ولا عن الأم التي علقت غسيلها على حبل يمر فوق خط النار. القوة العمياء تبدأ حين تتحول الأرض إلى أرقام والبيوت إلى إحداثيات والبشر إلى خسائر جانبية. حين يصبح للرصاصة منطق وللقذيفة حجة وللموت جدول زمني. في الميدان تسقط الأسماء وتبقى الأرقام فهذا جندي رقم سبعة وتلك مدينة نسبة التدمير فيها ثمانون بالمئة ولا أحد يجرؤ أن يقول إن الرقم سبعة كان جندي بلا اسم (___) وكان يخاف الظلام وكان يكتب شعرا رديئا لزوجته في دفتر صغير تحت خوذته. الطيار يضغط الزر وهو على ارتفاع ثلاثين ألف قدم فيرى على شاشته نقطة حرارية تنطفئ ويكتب في تقريره تم تحييد الهدف بنجاح ولا تقول له الشاشة إن النقطة الحرارية كانت عائلة اجتمعت على عشاء دافئ وإن النجاح كان صراخا لم يسمعه أحد. القوة العمياء تحب المسافة لأن المسافة تقتل الرعشة في اليد وتمنع العين من رؤية ما تفعل. هي توزع السلاح على اثنين وتقنع كل واحد منهما أن الآخر وحش وأن قتله نجاة ثم تتركهما في الوحل ينهشان لحم بعضهما بينما من أشعل الفتيل ينام في سريره مطمئنا. وبعد أن تسكت المدافع يخرج الساسة بوجه باسم ويوقعون ورقة يسمونها سلاما لكن الأرض التي ربحوها صارت مالحة من الدم فلا تنبت قمحا والمدينة التي حرروها صارت مقبرة بلا شواهد والقوة العمياء ترفع رايتها فوق الركام وتظنه منصة مجد. أما المهزوم فلا يموت بل يتحول قهره إلى بذرة سوداء تكبر في الظل وتشرب من ماء الذل حتى تصير حربا جديدة وهكذا لا تنتهي الحرب بل تذهب لتنام قليلا ثم تعود لأن القوة العمياء لا تدفن أعداءها بل تزرعهم. لو أن هذه القوة أبصرت لحظة واحدة لانفطر قلبها من الخجل. لخجلت من كف الصغيرة المقطوعة وهي ما زالت تقبض على دميتها ولخجلت من الشيخ الذي يحفر بأظافره بين الحجارة لا بحثا عن ذهب بل عن صورة زفاف أصفر لونها ولخجلت من كل الرسائل التي كتبت ولم تصل لأن عنوانها صار تحت الأنقاض. الحرب ليست قدرا ينزل من السماء بل هي مرآة نضعها أمام وجوهنا فنرى فيها كيف نصير ذئابا ونحن نردد نشيد انتصرنا وكيف نذبح باسم الحق ونحن نظن أننا ملائكة. كل طلقة تقول لنا لقد أطفأتم مصابيحكم بإرادتكم واخترتم أن تمشوا في الظلام. ولن تبصر عيوننا حتى نجرؤ على النظر في عين أم من الضفة الأخرى وهي تبكي ولدها فندرك أن دمعها مالح كدمع أمهاتنا وأن الدم الذي يجري في الشوارع له لون واحد. حتى ذلك الحين ستبقى الحرب عمياء لأننا اخترنا العمى وستظل القوة تقودنا من حفرة إلى حفرة ونحن نصفق لها ونسمي السقوط انتصارا.