النهار
بقلم:د.علي بن عالي السعدوني
حين يُطرح الحديث عن المدارس الأهلية بوصفها أحد الروافد المهمة في منظومة التعليم، فإن المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن تُقاس به لا يتمثل في ارتفاع الرسوم، ولا في فخامة المباني، ولا في كثافة الحملات الإعلانية، وإنما في نواتج التعلم التي تنعكس على شخصية الطالب، ومستواه العلمي، وسلوكه التربوي؛ لأن المدرسة الأهلية لم تُنشأ لتكون مشروعًا استثماريًا منفصلًا عن رسالته، بل لتكون شريكًا حقيقيًا في بناء الإنسان، ورافدًا نوعيًا يساند التعليم الحكومي، ويضيف إليه قيمة حقيقية، لا أن تتحول إلى نسخة أكثر تكلفة وأضعف أثرًا.
والمتأمل في واقع كثير من المدارس الأهلية يلحظ أن الفجوة بين ما يُدفع من رسوم مرتفعة وما يُقدَّم من خدمات تعليمية وتربوية ما تزال واسعة، لاسيما حين يجد ولي الأمر نفسه أمام التزامات مالية كبيرة لا يقابلها مستوى يليق بهذه الكلفة، فلا أنشطة داخلية تصنع شخصية الطالب، ولا برامج خارجية توسع مداركه، ولا زيارات ميدانية تربط بين المعرفة والحياة، ولا ملاعب رياضية مجهزة، ولا صالات مناسبة تحفظ راحة الطلاب، ولا مواقف سيارات مخصصة للزائرين، بل إن بعض المدارس الحكومية أصبحت أكثر حضورًا في النشاط والانضباط والرعاية التربوية، وأكثر التزامًا برسالة التعليم من بعض المدارس التي رفعت الرسوم وخفّضت الجودة.
ويضاف إلى ذلك جانب لا يقل أهمية عن التحصيل العلمي، وهو جانب الصحة والنظافة وسلامة البيئة المدرسية؛ لأن المدرسة ليست مكانًا لتلقّي الدرس فقط، بل بيئة يومية يعيش فيها الطالب ساعات طويلة، ومن حقه أن يجد فيها الراحة والطمأنينة والنظافة، والمتابع لواقع بعض المدارس الأهلية يلحظ أن مستوى النظافة لا ينسجم أحيانًا مع حجم الرسوم التي تُحصَّل، لاسيما في المرافق الأكثر حساسية مثل دورات المياه، التي يفترض أن تكون عنوانًا مباشرًا على جودة الإدارة ووعيها الصحي، فإذا بها في بعض المدارس تعاني ضعف العناية، وسوء المتابعة، وغياب الصيانة المستمرة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على صحة الطالب وراحته النفسية؛ لأن البيئة غير النظيفة لا تُربّي على الانضباط، بل تترك أثرًا سلبيًا في احترام المكان والانتماء إليه.
ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يمتد إلى الفصول الدراسية نفسها، حيث يشتكي كثير من الطلاب وأولياء الأمور من تعطل أجهزة التكييف أو ضعفها، خصوصًا في مناطق ترتفع فيها درجات الحرارة بشكل كبير، فيجلس الطالب داخل فصل لا تتوافر فيه أبسط مقومات الراحة، فيتأثر تركيزه، ويضعف استيعابه، وتصبح العملية التعليمية نفسها عبئًا يوميًا بدلًا من أن تكون بيئة جاذبة ومحفزة؛ لأن الطالب المنهك من الحر لا يستطيع أن يمنح الدرس حضوره الكامل مهما كانت جودة المعلم أو المنهج.
أما ملف النقل المدرسي فهو من أكثر الملفات التي تحتاج إلى مراجعة صارمة؛لأن بعض الحافلات المدرسية لا تليق أصلًا بأن تكون وسيلة يومية لنقل الأبناء، فتجد مركبات قديمة ومتهالكة، ضيقة المساحة، ضعيفة التكييف أو منعدمة التبريد، مع غياب واضح لبعض أدوات السلامة الأساسية، مثل سلامة المقاعد، وصلاحية الأبواب، ووسائل الحماية اللازمة، ويزداد القلق حين يقترن ذلك بسرعة بعض السائقين أو ضعف الرقابة على سلوكهم أثناء القيادة، وكأن الطالب يعيش رحلة يومية بين الخوف والقلق بدلًا من أن تكون رحلته إلى المدرسة جزءًا من الطمأنينة الأسرية.
ولولا ما وفرته الدولة من دعم كبير لهذا القطاع، وما جعلته القيادة الرشيدة من التعليم أولوية وطنية ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، لما استمر هذا التوسع أصلًا؛لأن الاستثمار في التعليم لا يُفهم على أنه حرية مطلقة بلا ضوابط، بل هو مسؤولية وطنية ترتبط بصناعة الأجيال وبناء الوعي، ولذلك فإن ترك بعض المدارس الأهلية دون رقابة تربوية كافية قد يحوّل المدرسة من مؤسسة تحمل رسالة إلى منشأة مالية تبحث عن العائد قبل الأثر، وهذه هي الفجوة التي تثير القلق الحقيقي.
ومن القضايا التي تستوجب عناية أكبر أيضًا ما يتعلق بالجانب الفكري والتربوي داخل البيئة التعليمية، لاسيما مع كثرة المعلمين غير السعوديين في بعض المدارس، فالمسألة لا تُقاس بالجنسية بقدر ما تُقاس بما يحمله المعلم من فكر، وما يقدمه من قيم، ومدى انسجامه مع الهوية الوطنية والثقافية التي يجب أن تنشأ عليها الأجيال منذ سنواتها الأولى؛ لأن المدرسة ليست مكانًا لتدريس المناهج فقط بل فضاء تتشكل فيه الشخصية، ويترسخ فيه الانتماء، ويُبنى من خلاله الوعي.
فالمعلم لا يقتصر دوره على شرح الدرس أو إنهاء المقرر، بل يمتد أثره إلى طريقة التفكير، ونمط الفهم، وصياغة القناعات الأولى لدى الطالب، ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون عن مؤهله العلمي وحده، بل عن رؤيته التربوية، وعن مدى احترامه لثوابت المجتمع، وقدرته على أن يكون جزءًا من مشروع وطني يهدف إلى بناء الإنسان قبل بناء الشهادة.
فإن الاكتفاء بإجراءات التعاقد الإدارية، أو الاعتماد على الأوراق الرسمية وحدها، لا يكفي في بيئة تعليمية بهذه الحساسية؛ لأن الشهادة قد تثبت الكفاءة المهنية، لكنها لا تكشف دائمًا عن الوعي الفكري ولا عن الانسجام الثقافي؛ ولذلك فإن الحاجة تزداد إلى مقابلات تربوية دقيقة قبل التعيين، وإلى متابعة إشرافية مستمرة، وزيارات ميدانية تقيس صلاحية المعلم فكريًا وسلوكيًا لأن حماية وعي الأبناء ليست أمرًا هامشيًا، بل هي من صميم مسؤولية التعليم، وأي تهاون في هذا الجانب قد ينعكس على هوية الطالب وانتمائه أكثر مما ينعكس على مستواه الدراسي فقط.
كذلك فإن بعض الممارسات المالية التي تقع بين بعض ملاك المدارس الأهلية وأولياء الأمور تبتعد كثيرًا عن الناحية التربوي الذي يفترض أن تقوم عليه المدرسة، حين تُربط كرامة الطالب أو مشاركته الاجتماعية بسداد الرسوم، فتُمنع طالبة من حضور حفل تخرجها حتى تُسدد كامل الرسوم، أو يُحرم الطالب من كتبه الدراسية في بداية العام حتى يتم الدفع، أو تُفرض مبالغ إضافية على الرحلات والنزهات بصورة تجعل الأسرة تشعر أنها أمام سلسلة من المطالب المالية لا أمام شراكة تعليمية متوازنة، وهذه التصرفات لا تصنع انتماءً، بل تزرع في نفس الطالب شعورًا مؤلمًا بأن قيمته تُقاس بما دفعه ولي أمره لا بما يحققه من جهد وتفوق.
ولعل من الإنصاف أن نذكر النماذج الناجحة التي تؤكد أن التعليم الأهلي قادر على التميز حين تكون الرسالة التربوية حاضرة قبل الحسابات التجارية، ومن أبرز ذلك مدارس مسك، التي قدمت نموذجًا مختلفًا في البيئة التعليمية والتربوية، من حيث النظافة العالية، والتنظيم، وجودة المرافق، والاهتمام بالتفاصيل، وصناعة بيئة يشعر فيها الطالب أنه في مؤسسة تُعده للحياة لا لمجرد اجتياز الاختبارات، وهذا المثال يؤكد أن المشكلة ليست في التعليم الأهلي ذاته، بل في تفاوت المعايير بين من يرى المدرسة رسالة، ومن يراها مشروعًا ماليًا فقط.
إن وزارة التعليم تعمل جاهدة على تطوير المشهد التعليمي ورفع كفاءة مخرجاته، لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى ضبط أكثر عمقًا لهذا القطاع، لاسيما عبر إنشاء مركز إشرافي متخصص للمدارس الأهلية يتابع الأداء التربوي، ويراقب الرسوم، ويقيس نواتج التعلم، ويرصد التجاوزات المهنية والإدارية، ويتابع مستوى النظافة، وصيانة المرافق، وكفاءة التكييف داخل الفصول، وسلامة النقل المدرسي؛لأن جودة التعليم لا تُقاس بمجرد توفير المقاعد الدراسية، بل بقدرتها على تحقيق بيئة تربوية متكاملة، ومخرجات تعليمية تليق بما يُدفع من جهد ورسوم، وحين يتحقق ذلك يصبح التعليم الأهلي شريكًا حقيقيًا في التنمية، لا عبئًا إضافيًا على الأسرة، وعندها يكون للرسوم المرتفعة ما يبررها؛ لأن الأثر سيكون ملموسًا، والنتيجة ستكون مستحقة.