النهار

٢٩ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ ابريل-٢٠٢٦       2750

بقلم ـ علي بن عيضة المالكي
 
تتحرك العلاقات الدولية وفق توازنات دقيقة تتداخل فيها المصالح مع القيم، وتتشكل عبرها مسارات التعاون والصراع. 
داخل هذا الإطار، تبرز ظاهرة انسحاب بعض الدول ذات الرؤية الأحادية من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية كحدث يعيد تعريف المسرح العالمي. هذا الانسحاب يمثل نقطة تحول تكشف خللاً في مفهوم الالتزام، وتضع بقية الفاعلين أمام مسؤولية إعادة البناء على أسس أكثر ثباتًا.
حين تتعامل دولة مع الاتفاقيات بمنطق انتقائي، وتربط استمرارها بمكاسب آنية، فإنها تزرع حالة مستمرة من عدم الاستقرار. يفقد الشركاء القدرة على التنبؤ بسلوكها، وتتأثر الأسواق بتقلب قراراتها، وتعيش التحالفات تحت ضغط دائم. ومع خروج هذا النوع من الفاعلين من الإطار التعاقدي، تبدأ مرحلة مختلفة تتسم بوضوح القواعد وتماسك الالتزامات، حيث تتجه الدول الأخرى إلى صياغة علاقاتها وفق معايير أكثر صرامة في احترام التعهدات.
في هذا السياق، يبرز مفهوم النضج السياسي كعامل حاسم في توجيه دفة التحولات. فيقيس هذا النضج قدرة صانع القرار على قراءة الواقع بعمق، وتقدير العواقب بعيدة المدى، وتغليب الاستقرار على المكاسب المؤقتة. وعندما تتوفر هذه الرؤية، تتحول القرارات الدولية إلى أدوات لبناء توازن مستدام، وتتراجع ردود الفعل المتسرعة التي تربك النظام الدولي.
في المقابل، تظهر المراهقة السياسية عند بعض مسؤولي الدول أحادية النظرة كعامل اضطراب خطير. تتجلى هذه الحالة في قرارات متسرعة تتجاهل تراكمات العلاقات الدولية، وتستند إلى انطباعات لحظية أكثر من اعتمادها على قراءة استراتيجية شاملة. تدفع هذه الممارسات إلى تقويض الثقة، وتوسيع فجوات الخلاف، وإدخال العلاقات بين الدول في دوائر توتر متكرر يصعب احتواؤه.
كما تؤدي هذه المراهقة السياسية إلى نتائج مباشرة على مستوى الاستقرار الإقليمي والدولي. تتراجع فعالية الاتفاقيات، وتتعطل مسارات التعاون، وتزداد تكلفة إدارة الأزمات. كما تنعكس على مصير الشعوب من خلال تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع منسوب القلق الاجتماعي، وتراجع فرص التنمية نتيجة غياب الرؤية المستقرة في إدارة العلاقات الخارجية.
 نؤكد بالدليل القاطع أن الدول التي تتحلى بنضج سياسي تدرك أن الاتفاقيات تمثل التزامات تؤسس لمستقبل الشعوب. ينعكس هذا الإدراك على مصير المجتمعات، فتتجه السياسات نحو دعم التنمية وتعزيز الأمن وفتح آفاق التعاون. في المقابل، تقود القرارات التي تفتقر إلى هذا النضج إلى إرباك الاقتصادات وتأجيج التوترات ودفع الشعوب نحو مسارات من عدم اليقين.
على المستوى السياسي، يمنح هذا التحول مساحة لإعادة ترتيب مراكز التأثير، فتتحرك معه الدول المتوسطة والصاعدة بثقة أكبر، وتبني شراكات تقوم على توازن المصالح. كما تنمو قدرة الأطراف الإقليمية على إدارة شؤونها بعيدًا عن التدخلات التي غذّت التوترات لفترات طويلة.
يفتح هذا المناخ المجال أمام مبادرات تهدئة حقيقية، ويعزز فرص بناء استقرار مستدام يقوم على التفاهم المتبادل، في ظل حضور فاعلين يتسمون بقدر أعلى من المسؤولية والنضج.
اقتصاديًا، تتجلى المكاسب في إعادة توجيه الاستثمارات نحو بيئات أكثر انضباطًا. يبحث المستثمر عن وضوح القواعد واستمرارية الالتزامات، وعند غياب الأطراف التي تتخذ قرارات متقلبة، تزداد الثقة في الأسواق. يسهم النضج السياسي في خلق مناخ اقتصادي قادر على النمو، ويمنح الشعوب فرصة حقيقية لتحسين جودة الحياة وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
إقليميًا، يتجسد الأثر في تراجع حدة الاستقطاب، وظهور نماذج تعاون أكثر انسجامًا. تجد مشاريع الربط الاقتصادي ومبادرات التنمية المشتركة مساحة للنمو حين تختفي العوائق التي فرضتها السياسات الأحادية. كما تستعيد المؤسسات الإقليمية دورها في التنسيق وصياغة الحلول، وتزداد فاعليتها في احتواء الأزمات، مدعومة بقرارات أكثر وعيًا بمصالح الشعوب.
يضع هذا المشهد أمام المجتمع الدولي فرصة لإعادة تعريف معنى الشراكة، حيث ترتكز على الثبات والمسؤولية. يتطلب استثمار هذه الفرصة وعيًا استراتيجيًا وقدرة على بناء أطر تعاون مرنة تحافظ على الاستقرار وتمنع عودة السلوكيات التي أضعفت الثقة. كما يحتاج إلى ترسيخ ثقافة النضج السياسي في صناعة القرار، بحيث تصبح مصلحة الشعوب محورًا أساسيًا في كل توجه.
آخر القول: يظهر أن بعض الرحيل يحمل إمكانية بداية جديدة، حيث يفسح المجال أمام سلام تأخر طويلًا، فيتشكل هذا السلام حين تتلاقى إرادة الدول مع وعي عميق بمسؤولياتها، وحين يقود النضج السياسي القرارات نحو مسارات توازن تحقق الاستقرار وتمنح الشعوب مستقبلاً أكثر أمانًا وازدهارًا.