النهار

٢٩ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ ابريل-٢٠٢٦       4730

بقلم: غازي العوني

جلست مع يوسف على الركام.  
لا مقعد، لا طاولة، لا جدار نستند عليه. فقط كتلة إسمنت كانت قبل أسبوع غرفة نومه، واليوم صارت كرسياً لطفلين: واحد عمره 35 سنة، والثاني عمره 9... لكن الحرب ساوت بين أعمارنا.

الغبار كان لا يزال عالقاً في الهواء. كأنه أرواح البيوت ترفض أن ترحل. الشمس تطلع بخجل، كأنها تعتذر لأنها تأخرت يوم المجزرة. ويوسف... يوسف ماسك لعبة صغيرة بيد. سيارة حمراء، عجلة من عجلاتها مفقودة. نجت هي، ولم ينجُ البيت.

سألني: *"عمو غازي، ليش البيوت تطيح؟"*  
ابتلعت ريقي. كيف تشرح لطفل أن البيوت لا تطيح من نفسها؟ أن هناك يداً تضغط على زر، وأن الزر أرخص من قلب أم؟  
قلت له: "البيوت يا يوسف تتعب. مثل الناس. لما تتعب كثير، تنام."  
هز رأسه. ما اقتنع، بس احترم كذبتي. الأطفال في غزة يعرفون متى نكذب عليهم بدافع الرحمة.

سكتنا. الصمت فوق الركام له صوت. تسمع فيه كل شيء: أنفاس الجيران تحت الأنقاض، دعاء أمه وهي تبحث عنه، صوت المذياع الذي ظل يردد "عاجل" حتى انقطع.

ثم قال الجملة التي كسرتني:  
*"أنا ما أبغى أصير كبير... أبغى بس أبقى عايش عشان ألعب."*

حلم. هذا كان حلمه.  
ليس أن يصير طبيباً، ولا مهندساً، ولا حتى لاعب كرة. فقط... أن يبقى. أن يُمنح فرصة اللعب. أن يكمل دوراً بسيارته ذات العجلات الثلاث على أرض ليست محفورة بالقذائف.

نظرت إلى درع الصحافة الأزرق الذي ألبسه. كان ملطخاً بالغبار، لكن كلمة PRESS ما زالت تصرخ. سخرية؟ ربما. فالعالم يقرأ الكلمة، ثم يقلب الصفحة. لكن يوسف كان يراها درعاً حقيقياً. قال لي مرة: "لما ألبسه، ما أحد يقدر يطخني، صح؟"  
كذبت عليه مرة ثانية. هززت رأسي: "صح."

مد يده الصغيرة وأعطاني السيارة.  
"خليها معك. لما الحرب تخلص، رجّعها لي ونلعب سوا."  
أخذتها. كانت دافئة. بحرارة يده، أو بحرارة البيت الذي احترق.

جلست أحدثه عن اللعب. عن الحارة التي سنبنيها من جديد. عن المرمى الذي سنصنعه من حجريْن. عن الطيارة الورق التي سنطيرها أعلى من كل المسيرات. وهو يصدق. لأن الأطفال يجب أن يصدقوا، وإلا كيف سيكملون؟

نحن لا نجلس على الركام لنبكي. نجلس عليه لنخطط.  
الركام ليس نهاية القصة. هو الفاصلة التي تجبرك أن تأخذ نفساً قبل أن تكمل الجملة.

قلت له: "وعد يا يوسف. أول ما تهدأ الأرض، بنلعب. أنت تسوق السيارة الحمراء، وأنا بصورك. وبيكون عنوان الصورة: نجونا."  
ابتسم. ابتسامة بسنّ مكسور، لكنها كاملة.  
قال: "اتفقنا."

قمت. نفضت الغبار عن بنطاله. وهو نفض الغبار عن قلبي.  
مشينا. هو ممسك بطرف سترتي، وأنا ممسك بسيارته.  
فوقنا سماء تريد أن تصفى. تحتنا أرض تريد أن تهدأ. وبيننا حلم صغير... اسمه اللعب.

*يوسف لا يريد أن يموت بطلاً.*  
*يريد أن يعيش طفلاً.*  
*وهذا يا عالم... أبسط حقوق الإنسان.*