النهار

٢٨ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ ابريل-٢٠٢٦       2530

بقلم-جمعان الكرت 

يشكّل التراث العمراني في جنوب المملكة، ولا سيما في منطقتي عسير والباحة، أحد أبرز الشواهد الحيّة على قدرة الإنسان على التكيّف مع بيئته، وصياغة هوية معمارية متفردة تنبع من طبيعة المكان وموارده.

فعند التأمل في العمارة التقليدية في هاتين المنطقتين، يتبدّى تشابه لافت في أساليب البناء ومواده، حيث تتصدر الأحجار والخشب والطين المشهد بوصفها العناصر الأساسية، في انسجام دقيق مع البيئة الجبلية والمناخ المحلي.
ولا تقف أوجه التشابه عند حدود المواد، بل تمتد إلى التفاصيل الجمالية التي تضفي على المباني روحها الخاصة، مثل استخدام أحجار المرو، والطلاء بالقطران، والزخارف اللونية التي تعكس ذائقة فنية متوارثة عبر الأجيال.

كما تزخر هذه العمارة بمفردات ومصطلحات محلية تعبّر عن مكونات البناء ووظائفه، مثل “البطن” لأخشاب التسقيف، و“السواري” للأعمدة الخشبية الأكبر، و“المدماك” و“المصراع” الباب الرئيس و“الحوش”، والباني والملقّف (الذي يساند الباني الأساسي أثناء البناء)، والجدار الخلف (الجزء الداخلي للجدار)، والمدماك، والضبّة (لقفل الباب)والدرج، والسفل، والسَّرَب، والميفى، والرف، والمذود (المخصص لأكل البهائم)، والسدة ، إلى جانب مسميات أخرى تكشف عن ثراء لغوي ومعرفي مرتبط بفن البناء التقليدي.
ورغم هذا الغنى المعماري والثقافي، فإن الدراسات العلمية المتخصصة في هذا المجال ما تزال محدودة، ولا ترقى إلى حجم الأهمية التي يمثلها هذا التراث.

وتبرز بعض الجهود الفردية المميزة، مثل الدراسات التي تناولت مفردات العمارة التقليدية،  الدراسة التي قام بها المهندس سعيد الحسيل في كتابيه  من الزخارف السعودية)وكتاب (كنوز غامد وزهران العمرانية)، وكتاب  الدكتور علي مرزوق مفردات العمارة التقليدية بعسير ، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة إلى مشاريع بحثية منهجية تتبناها المؤسسات الأكاديمية، لتوثيق هذا الإرث وتحليله علميًا.
وفي هذا السياق، يبرز دور الجامعات، مثل جامعة الملك خالد وجامعة الباحة، في تحفيز طلاب الهندسة والعمارة على دراسة هذا التراث ميدانيًا، واستلهام عناصره في تصميمات معاصرة تعزز الهوية المحلية.

فبدلًا من الانجراف نحو تقليد أنماط معمارية مستوردة، سواء كانت أوروبية أو شرق آسيوية، يمكن توظيف هذا الموروث الغني لإنتاج عمارة حديثة ذات جذور أصيلة وروح محلية.
وتنتشر في عسير والباحة قرى تراثية تُعد بمثابة متاحف مفتوحة، مثل قرية ذي عين، والأطاولة، والعبادل، وآل ينفع، ورجال ألمع، والموسى ، والملد بحصنيها الشاهقين والمسقي وآل ينفع  بممرات العجيبة ،وغيرها من المواقع التي تختزن تفاصيل معمارية دقيقة.

ومن خلال الزيارات الميدانية لهذه القرى، يتضح أن البناء لم يكن عشوائيًا، بل اعتمد على فهم عميق لجغرافية المكان، واتجاهات الرياح، ومسار الشمس، مع الحفاظ على الأراضي الزراعية وتنظيم الممرات الداخلية بما يحقق سهولة الحركة ويعزز الجوانب الأمنية.
إن العمارة التقليدية في هذه المناطق ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل هي سجلّ حضاري يعكس أسلوب حياة، ومنظومة قيم، وخبرة إنسانية تراكمت عبر قرون.

غير أن التوسع العمراني الحديث، والاعتماد المتزايد على مواد البناء الحديثة كالأسمنت والحديد، أسهما في تراجع هذا النمط المعماري، بل واندثار أجزاء كبيرة منه، ما يمثل خسارة ثقافية لا تُقدّر بثمن.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لهذا التراث، عبر التوثيق، والحماية، وإعادة التوظيف، ليبقى حاضرًا في المشهد العمراني، لا بوصفه ماضيًا منسيًا، بل مصدر إلهام لمستقبل أكثر ارتباطًا بالهوية والأصالة.