النهار

٢١ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ ابريل-٢٠٢٦       2695

بقلم : علي المالكي 

حين تتحول الثقة إلى مخاطرة استراتيجية
في عالمٍ تحكمه توازنات دقيقة لا تُمنح الثقة مجانًا بل تُبنى عبر سجل متراكم من الالتزام والشفافية. 
غير أن التجربة مع  إيران  خصوصًا في ملفها النووي تقدّم نموذجًا مختلفًا حيث تتكاثر الوعود بقدر ما تتعمّق الشكوك وتتسع الفجوة بين ما يُقال وما يحدث على الأرض.
على مدى أكثر من عقدين ظلّ البرنامج النووي الإيراني محاطًا بعلامات استفهام كبيرة. 
فقد أشارت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أكثر من مناسبة إلى قضايا تتعلق بأنشطة غير مُعلنة أو معلومات لم يُكشف عنها في حينها وهو ما عزّز انطباعًا راسخًا لدى كثير من المراقبين بأن إدارة هذا الملف تقوم على المناورة بقدر ما تقوم على الدبلوماسية وعلى الإخفاء بقدر ما تُظهره من انفتاح.
عندما وقّع الاتفاق النووي عام 2015 بدا وكأن نافذة أمل قد فُتحت لاحتواء أزمة معقّدة. 
غير أن التطورات اللاحقة كشفت أن الاتفاق رغم أهميته لم يعالج جوهر المشكلة : أزمة الثقة. 
فمع كل جولة توتر عادت طهران إلى استخدام أدوات الضغط ذاتها بين رفع مستويات التخصيب أو التلويح بالالتزام في سياسة تُبقي الأطراف الأخرى في حالة ترقّب دائم دون حسم نهائي لمسار الأزمة.
لكن الإشكال لا يتوقف عند حدود البرنامج النووي. 
فالدول لا تُقاس بما تعلنه فقط بل بما تمارسه فعلياً. 
وعندما يتقاطع الغموض في ملف حساس مع سياسات إقليمية مثيرة للجدل تصبح صورة الدولة أكثر تعقيدًا. 
هنا تحديدًا تتجسّد معضلة الثقة : هل يمكن الركون إلى تعهدات لا يسندها تاريخ مستقر من الالتزام؟
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس استمرار الشك فحسب بل انعكاساته على قرارات الدول الأخرى. 
فالتاريخ السياسي يُظهر أن سوء تقدير النوايا أو منح الثقة دون ضمانات كافية قد يفتح الباب أمام أزمات أكبر. 
ومن هذا المنطلق ترى كثير من التحليلات أن أي دولة تبني سياساتها على افتراض حسن النية وحده دون قراءة دقيقة للسلوك الفعلي قد تجد نفسها لاحقًا أمام ضغوط معقدة وتحديات يصعب احتواؤها.
وعليه فإن التعامل مع  إيران  في نظر العديد من صناع القرار لا يمكن أن يقوم على الوعود وحدها بل يجب أن يستند إلى آليات تحقق صارمة وشفافية كاملة والتزامات قابلة للقياس. 
فالثقة في العلاقات الدولية ليست شعارًا سياسيًا بل نتيجة مباشرة لسلوك متراكم يُختبر عبر الزمن.

▪️ما بعد الاتفاق 

حسابات مختلفة على الأرض وفي حال إبرام اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران فإن المشهد لن يُختزل في توقيع دبلوماسي أو بنود تقنية تخص برنامجًا نوويًا جامدًا لا يحمل مشاعر أو مواقف. 
فالواقع يشير إلى أن الأثر الأعمق لن يكون على الورق بل على الأطراف المرتبطة بهذا الملف بشكل غير مباشر.
عند لحظة الاتفاق قد تتقاطع مصالح المتباينين وتلتقي الحسابات الكبرى بين العواصم لكن على الهامش تقف كيانات وتنظيمات بنت سردياتها على الصراع المستمر. 
هؤلاء الذين قدّموا أنفسهم باعتبارهم (حركات مقاومة) واستثمروا في تعبئة الشباب وتجنيدهم قد يجدون أنفسهم أمام واقع جديد يعيد تعريف أدوارهم ومواقعهم.
فالتحولات السياسية الكبرى غالبًا ما تُعيد ترتيب الأوراق دون اعتبار للحلفاء الصغار أو الوكلاء. 
ومع أي تفاهم دولي تتراجع الأدوات التي كانت تُستخدم في إدارة الصراع ويُعاد تقييمها وفق أولويات المرحلة الجديدة. 
وفي مثل هذه اللحظات قد تتحول بعض الكيانات من أوراق ضغط إلى أعباء سياسية ما يفتح الباب أمام تراجع دورها أو إعادة توظيفها وأحيانًا الاستغناء عنها بالكامل.
لذلك تبقى الحقيقة الأبرز أن أزمة الثقة مع  إيران  ليست وليدة لحظة بل نتاج سنوات طويلة من التباين بين القول والفعل. 
ومع استمرار هذا النمط ستظل الدول تتعامل بحذر مدركة أن القرارات المبنية على تقدير غير دقيق قد تتحول من فرصة إلى عبء استراتيجي ثقيل.
فالثقة حين تُمنح في غير موضعها لا تكون مجرد خطأ في الحساب بل مخاطرة قد تتجاوز نتائجها حدود التوقع.