النهار

٢١ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ ابريل-٢٠٢٦       3630

بقلم - جمعان الكرت
 قبل أن يلج المسافرون مطاراتنا الدولية تمتلئ عيونهم بعبارات دعائية على لسان "العديق" الحميم "الأرز" يتأسى لمفارقتنا إيّاه, وتتقاطر دموعه لمبارحتنا عنه, ويشتاق الالتقاء بنا, تلك العبارات الدعائية لها مفعولها السحري في نفوسنا بل أصبحت جزءا من نسيج ثقافتنا, وبعدنا الاجتماعي, ومن العبارات التي اختارها المعلنون بعناية فائقة واحترافية عجيبة في صوغ العبارات (صدقني تشتاق لي..لا تطول السفر) أو عبارة (منّا وفينا لأكثر من 60 عاما) (من زمان أحباب ..على وين ياعيوني؟) كيف تسافر بدوني؟ ..أكيد اشتقت لي أكثر)
نلحظ في سياق العبارات الدعائية أن الأرز هو المتحدث الرئيس وبكل ثقة يخاطب عقولنا وعواطفنا وبطوننا لأنه يدرك انتماءنا له أكثر من انتمائه للذين بذروه وسقوه وحصدوه وصدّروه لنا, أضحى "عديقنا" الذي لا يود أن يفارقنا ويضمر حقداً على أكلاتنا الشعبية التي عرفها جدي وجدك ووالدي ووالدك.. ويزداد ثقة وأنفة بأنه الأكثر حضورا على موائدنا بل يتمخطر إذا حدث منافسة له في هذا الشأن, ويؤكد ولعنا به ويخاطبنا كأصدقاء خُلّص يلامس مكامن عواطفنا ومفاصل عقولنا, البعض ينقاد له ويستجيب لفتنة دعوته, وهم كثر ليحمل ما قُدِّر له في حقائبه, من أجل تخفيف لواعج الغربة, وبعد المسافة وكأن أرض الله الواسعة خليت منه ,هذا "الابن المدلل للأسر السعودية" والأرز يختلف عن مجايليه من الحبوب ,عند زراعته يعيش منقوعا في الماء وهذا ما تعجز عن تلبيه أرضنا القاحلة الشحيحة المطر كالجزيرة العربية, شمسها حارقة طوال العام وضرع سماؤها  شبه جاف, ورغم ذلك جاء الأرز كسيد من أسياد الواردات محمولا بعناية فائقة ممتلئ الأحشاء, ليصل إلى قدور فاغرة الأفواه, ينتظر لهيب النار, بعدها يخرج في حُلته البديعة تنضح منه روائح تشتهيا الأنفس, لتلتف الأسرة على الصحن  وبشكل سريع وفي مقدمتهم رئيس الأسرة  وملامح وجهه  هاشة باشة كما تصفه المادة  الدعائية , هكذا أصبحنا مطواعين للأرز,لذا اعتلى لوحات نُصبت بعناية  في مواقع هامة لشد أهداب عيوننا,وأسر عقولنا, ويؤكد "الأرز" أن أنسجتنا ما كان لها أن تنمو دون حباته, وأن ذاكرتنا لا يمكن أن تمحوها مشاهدة البلدان الخارجية دون أن نتذكره وأبخرته متصاعدة ورائحته فواحة, ويحق له أي الأرز أن يتباهى بمفاخره, لأنه أصبح وأضحى الوجبة الرسمية للأسر السعودية, ولا يخلو يوما دون أن تلتهم حباته وتتلذذ بطعمه, وإذا وجدت أسرة سعودية واحدة لا يكون الأرز إحدى موجودات المطبخ فسوف نعلن عن جائزة ثمينة عبارة عن كيس أرز حباته طويلة, تأنس به كصديق وتتجاوز عن نصائح الطبيب, بأنه أحد مسببات الترهل الذي أصابنا و أبناءنا. لنقدمه بكل ترحاب للضيوف الأعزاء...
هب أنك مدعو للعشاء في إحدى مناسبات الزواج والتي تكثر في طلائع الصيف  ولم يكن الأرز بين مصفوفات العشاء,ماذا تتوقع من ردة الفعل بالنسبة لك أولا وللمعزومين أيضا,سوف تتسع مساحة  التعجب والاندهاش وتصل إلى حالة التندر والنكتة على المضياف في كون المناسبة لم تكن بالمستوى المأمول’ وأنها افتقدت شيئا هاما ما كان يجب نسيانه أو إهماله, الأرز  يا سادة شكّل نسيجا عجيبا ليس فقط في خلايا أجسامنا’ بل حتى في ثقافتنا التي لم تستطع الانفكاك عنه.
*ارتفاع سعر الأرز يرجع إلى ارتفاع اقتصاد الدول المصدرة له(كالهند) فبدلا ما كان سكانها الكثر غير قادرين على شراء الأرز بسبب الفقر المدقع تنامت الصناعة لديها خصوصا في الأجهزة الالكترونية  وتوفرت السيولة المالية واقبلوا على التهامه بمعنى أن المستقبل ينبئ عن صعوبة استيراد الأرز بارتفاع اقتصادهم واحتكار منتجهم الزراعي وعدم احتياجهم للآخرين, مما يجعلنا في موقف لا نحسد عليه بعد أن أصبحنا مأسورين للأرز.
 
* "عديق" تعني دمج الصديق مع العدو. لاشتراكهما  في صفات متشابه ومتناقضة, لذا لا تستطيع أن تصفه كعدو بائن وفي الوقت لا يمكن أن تنطبق عليه الصداقة الحقة مثل بعض الدول المجاورة.