النهار
بقلم – هلا الخباز
منذ يومين، دار بيني وبين صديقة حوار… كان من أغرب الحوارات التي مرّت عليّ.
ليس لأنه اقترب من منطقة لا يحق لأحد، مهما كانت نواياه، أن يتجاوزها تحت غطاء اللطف أو الاهتمام…
وليس لأنه احتوى على جملة جارحة فحسب…
بل لأنه تركني بعدها عاجزة عن النوم، وخاصة أني لم أسكتها، بل أجبتها بكل لطف وكشفت لها أوراقي.
ظلّ سؤال واحد يلاحقني:
ما الذي يدفع البعض إلى إصدار أحكام على حياتك من مجرد حوار عابر؟
من موقف لم يكتمل، أو من لحظة لم تُروَ تفاصيلها؟
كيف يُمكن لإنسان أن يرى حياتك كاملة من زاوية قناعاته هو، لا من حقيقتك أنت؟
فكما يقول نجيب محفوظ:" “آفة حارتنا النسيان… وآفة الناس أنهم يظنون أنهم يفهمون كل شيء".
لم أُلِمها بقدر ما لُمت نفسي، لأني كنت على طبيعتي، شفافة، بلا حذر، مع أشخاص لا يشبهونني، لُمت نفسي لأني تصرّفت ببساطة إنسانية، دون أن أرتدي ذلك القناع الذي يقي من الفضول، أو من التطفل المقنّع بالاهتمام.
ومنذ تلك اللحظة، اتخذت قراري: أن يكون ذلك الحديث… آخر حديث، وذلك اللقاء.. أخر لقاء يجمعني بها.
ليست المشكلة في هذا الموقف وحده، بل في كونه يتكرر، بصور مختلفة، مع أشخاص مختلفين… وكأن الحكم على الآخرين أصبح مهارة اجتماعية غير معلنة، يتقنها الجميع.
نحن لا نرى الناس كما هم، بل كما نريد أن نراهم، وهنا أستحضر مقولة للروائية الأمريكية أنانييز نين: " لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نحن “.
وهي جملة تختصر كثيرًا من سوء الفهم الذي نبني عليه معظم أحكامنا..
الأحكام السريعة ليست بريئة، هي اختصار مريح للعقل، لكنها ظالمة للقلب..
هي محاولة لإغلاق الأسئلة بدل التعايش معها، لتصنيف الإنسان بدل فهمه.
فريدريك نيتشه كان يرى أن: " كل قناعة هي سجن ". لأنها حين تتحول إلى عدسة وحيدة لرؤية العالم، تمنعنا من إدراك تعقيد البشر، وتختزلهم في قوالب ضيقة لا تحتمل اختلافهم.
لم يعد إصدار الأحكام على الآخرين فعلًا عابرًا أو استثناءً في سلوكنا اليومي، بل أصبح ممارسة شبه اعتيادية، تُمارَس بخفة مقلقة، وكأننا نملك مفاتيح النفوس وسير الحكايات.
نحكم من مقطع، ومن صورة، ومن جملة مبتورة… ثم نمضي مطمئنين أننا رأينا الحقيقة كاملة.
ففي هذا الفضاء المفتوح، لم تعد الخصوصية حدًا واضحًا، بل مساحة مستباحة يتسلل إليها الآخرون دون استئذان، يفسرون، ويحللون، ويصنفون…
وكأنهم أوصياء على ما لا يملكون. نمنح أنفسنا حق التوغل في حياة الآخرين، لا بدافع الفهم، بل بدافع التقييم، وأحيانًا الإدانة.
لكن، بأي حق؟
ومن منح هذا الدور الجماعي غير المعلن؟
ومتى تحولت المجتمعات من حاضنات للتنوع إلى منصات للمحاكمة؟
ما بين حكمٍ قاطع لا يعرف السياق، ونظرة سطحية لا ترى العمق، تضيع إنسانية كاملة خلف صورة عابرة، ويُختزل الإنسان
لكن، لماذا يمنح البعض أنفسهم حق التوغل في حياة الآخرين؟
الجواب لا يكمن فقط في الفرد… بل في المجتمع الذي يربّي هذا السلوك ويكافئه أحيانًا.
في مجتمعاتنا، يُنظر إلى “إبداء الرأي” على أنه اهتمام،
وإلى “التدخل” على أنه قرب،
وإلى “الحكم” على أنه حكمة.
تنشأ لدينا قناعة خفية بأن الصمت تقصير، وأن ترك الآخر وشأنه نوع من اللامبالاة، فنندفع لنملأ المساحات التي لا تخصنا، بحسن نية أحيانًا، وبوصاية غير واعية في كثير من الأحيان.
هنا تتشكل الوصاية الاجتماعية…
حين يشعر الفرد أن له حقًا أخلاقيًا في تقييم خيارات غيره، وتوجيهها، بل وتصحيحها وفق معاييره الخاصة، وظروفه وقناعاته، مشكلة هذه الممارسات أنها لا تمر دون أثر عند الأخر، هي تترك في داخله شكاً صغيراً
تجعله يراجع نفسه لا بحثًا عن الحقيقة، بل خوفًا من نظرة الآخرين، وطعماً في القبول المجتمعي، نظرة تدفعنا تدريجيًا لارتداء أقنعة، لا لأننا نخفي عيبًا، بل لأننا نحمي مساحتنا.. والمحصلة والنتيجة النهائية هي أننا نخسر شيئاً من أنفسنا.
يقول كارل يونغ :" الامتياز في أن تكون على طبيعتك في عالم يحاول باستمرار أن يجعلك شيئًا آخر.” لكن هذا الامتياز يصبح عبئًا، حين يكون ثمنه أن تُساء قراءتك باستمرار.
ربما لا يمكننا تغيير الناس، ولا إيقاف الأحكام، ولا إعادة تعريف المجتمع دفعة واحدة، لكن يمكننا أن نرسم حدودنا بوضوح، وأن ندرك أن الشفافية ليست فضيلة في كل الأوقات.
فليس كل من اقترب، يحق له أن يعرف.. وليس كل من سأل يستحق الإجابة.
ولهذا، ربما يكون أكثر أشكال النضج هدوءً .. أن تتوقف عن شرح نفسك، وأن تتصالح مع فكرة أن البعض سيحكم عليك… دون أن يعرفك أبداً.