النهار

١٠ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ ابريل-٢٠٢٦       7425

بقلم ـ حذامي محجوب

ما يلوح في الأفق لا يبدو مجرد جولة تفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران، بل أقرب إلى تسوية شاملة قد تُدار على مستوى سياسي رفيع، وتنتهي بترتيبات تُنهي حالة الصراع وتفتح مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في ملفات تقنية أو نقاط خلافية معزولة، بل باتت مرتبطة بإعادة هندسة التوازنات الإقليمية بعد سنوات من التوتر والحروب بالوكالة.

في هذا الإطار، تبدو واشنطن، خاصة مع دونالد ترامب، ميالة إلى دفع مسار تفاوضي سريع يفضي إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ بما يخدم أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة. في المقابل، تتحرك طهران من منطلق مختلف، إذ تبدو أكثر حرصاً على الدخول في أي تسوية تضمن بقاء النظام وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية المتراكمة عليها.

لكن ما يجري لا يقتصر على حسابات خارجية فقط، بل يتصل أيضاً بتحولات داخلية أعمق داخل البنية السياسية الإيرانية. فالتآكل التدريجي لنفوذ التيار المحافظ المتشدد، تحت ضغط العقوبات والاستنزاف والصدامات الإقليمية، قد يفتح الباب أمام صعود مقاربة أكثر إصلاحية ومرونة في التعاطي مع العالم الخارجي. هذا التحول المحتمل لا يعني مجرد تعديل في الخطاب، بل إعادة ترتيب للأولويات الاستراتيجية للدولة.

في حال ترسخت هذه الديناميكية، قد تتجه إيران نحو إعادة تعريف دورها الإقليمي، من مشروع قائم على المواجهة العقائدية إلى نموذج أكثر براغماتية يضع الاقتصاد والتنمية في صدارة الاهتمام. عندها يصبح الانفتاح على الولايات المتحدة أقل إيديولوجية وأكثر ارتباطاً بمنطق المصالح، مع تقليص تدريجي لمساحات التوتر في الإقليم.

ضمن هذا السيناريو، قد يكون أحد أبرز ملامح التفاهم المرتقب هو تقديم إيران لتنازلات في ملفات حساسة، على غرار برنامجها النووي وبعض قدراتها الصاروخية، مقابل حوافز اقتصادية ورفع تدريجي للعقوبات، بما يسمح بإعادة دمج اقتصادها في المنظومة الدولية. وبالتوازي، قد نشهد خطاباً سياسياً أكثر هدوءاً تجاه دول المنطقة، يقوم على تخفيف منسوب العداء الأيديولوجي لصالح لغة التهدئة.

غير أن هذا التحول، إن حدث، لن يبقى محصوراً في حدود العلاقة بين واشنطن وطهران، بل سينعكس على كامل بنية الإقليم. فإعادة تشكيل العقيدة السياسية الإيرانية ستفرض نفسها كعامل مؤثر في توازنات القوى، وقد تفتح الباب أمام موجة تحولات تطال أنظمة واقتصادات اعتادت العمل داخل بيئة صراع مزمن.

ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يخلو من مخاطر الانكسار. ففشل التفاهم أو تعثره قد يعيد المنطقة إلى مربع المواجهة، ولكن هذه المرة بشروط أكثر تعقيداً وكلفة، ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية على مستوى الاستقرار الإقليمي.

في المحصلة، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية، حيث يتقاطع منطق القوة مع منطق التسوية، وحيث يظل السؤال مفتوحاً حول قدرة الأطراف على تحويل الصراع إلى تفاهم، بدل إعادة إنتاجه بأشكال أكثر حدة واتساعاً.