النهار
بقلم طارق بن محمد بن حزام- النهار السعودية
تحتل اللغة العربية مكانة فريدة بين لغات العالم؛ فهي لغة القرآن الكريم، ووعاء حضارة إنسانية عريقة امتد أثرها في ميادين العلم والفكر والأدب قرونًا طويلة. وقد كانت العربية في عصور ازدهارها أداة للمعرفة والإبداع، ووسيلة لنقل العلوم وتطويرها، حتى غدت لغة الحضارة في زمن من الأزمنة.
غير أن المتأمل في واقعها المعاصر يلحظ بوضوح ظاهرة مقلقة تتمثل في ضعف استخدامها لدى كثير من أبنائها، ولا سيما في البيئات التعليمية؛ ضعف لم يعد خافيًا على الباحثين والتربويين، بل أصبح قضية تتردد أصداؤها في المؤتمرات والندوات والدراسات المتخصصة.
إن مظاهر هذا الضعف تتجلى في صور متعددة؛ من أبرزها ضعف القراءة السليمة، وكثرة الأخطاء الإملائية والنحوية، وركاكة الأسلوب في التعبير الشفهي والكتابي، فضلًا عن محدودية الرصيد اللغوي لدى الطلاب. كما يظهر القصور في فهم النصوص واستيعاب مضامينها، وفي القدرة على صياغة الأفكار صياغة واضحة مترابطة. ويؤدي ذلك كله إلى ضعف القدرة على التفكير المنظم، إذ إن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي وعاء الفكر ووسيلة بنائه.
وليس هذا الضعف وليد سبب واحد، بل هو نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة. فانتشار اللهجات العامية في الحياة اليومية أضعف حضور الفصحى في البيئة اللغوية التي ينشأ فيها الطالب، حتى غدت الفصحى في نظر بعضهم لغة دراسية لا لغة حياة. كما أن بعض المناهج التعليمية ما تزال تركز على القواعد المجردة والحفظ النظري دون ربط اللغة بواقع الطالب واحتياجاته المعاصرة، الأمر الذي يفقد الدرس اللغوي عنصر التشويق والتفاعل.
ويضاف إلى ذلك ضعف إعداد بعض معلمي اللغة العربية أو اعتمادهم أساليب تقليدية في التدريس، فضلًا عن تراجع عادة القراءة الحرة بين الطلاب، وهي الرافد الأهم لتنمية الثروة اللغوية وصقل مهارات التعبير. كما أسهمت بعض وسائل الإعلام الحديثة في تكريس العامية أو إدخال ألفاظ أجنبية على حساب الفصحى، مما زاد من اتساع الفجوة بين اللغة في التعليم واللغة في الحياة اليومية.
ومن هنا فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم بجهد فردي أو قرار محدود، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة وجهود متضافرة. فالمؤسسات التربوية واللغوية الكبرى في الدول العربية مدعوة إلى تنسيق جهودها في ميدان الحفاظ على اللغة العربية وتطوير تعليمها وتعلمها، والبحث في أسباب الضعف اللغوي ونتائجه، وبيان خطورته على مستقبل اللغة ومستقبل الأمة. كما ينبغي تبني الأساليب العلمية والتربوية الحديثة لمعالجة هذا الضعف، والعمل على إعداد البرامج والأنشطة العلمية والتربوية والتقنية والإعلامية التي تسهم في تعزيز حضور اللغة العربية في البيئة التعليمية.
كما تقع على عاتق وزارات التربية والتعليم مسؤولية محورية في إبراز مكانة اللغة العربية في نفوس الناشئة، والعمل على تنمية حبها في قلوبهم وتعزيز الاعتزاز بها. ويتطلب ذلك تطوير برامج إعداد معلمي اللغة العربية، ومراجعة مناهجها التعليمية بما يحقق التوازن بين أصالة اللغة ومتطلبات العصر، وتبني الاستراتيجيات الحديثة في تدريسها، مع الإكثار من الأنشطة اللغوية الحيوية في المدارس، وتوظيف التقنية الحديثة في تعليم اللغة وتعلمها.
وليس من المبالغة القول إن الارتقاء باللغة العربية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالارتقاء بالمستوى الفكري والثقافي في المجتمع؛ فالفكر والثقافة مرآة حضارة الأمم ودليل رقيها، وكلما ارتقى المجتمع ارتقت معه لغته، وأصبحت أكثر قدرة على التعبير عن معاني الحياة والثقافة والإنجاز.
وختامًا، فإن تنمية ميول الطلبة نحو اللغة العربية وتعزيز اتجاهاتهم الإيجابية نحوها تمثل خطوة أساسية في علاج هذه المشكلة. وينبغي للمؤسسات التربوية أن تبث في البيئة التعليمية الوعي بأن رفعة الأمم من رفعة لغتها، وقوتها من قوة لغتها، وانتشارها من انتشار لغتها. فاللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي لغة هوية وحضارة، وقد شرفها الله تعالى بأن جعلها وعاءً لكتابه الكريم، قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
وإذا ما تكاتفت جهود الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية في خدمة هذه اللغة العظيمة، فإنها قادرة على أن تستعيد حضورها القوي في حياة أبنائها، وأن تبقى كما كانت عبر التاريخ لغة علم وفكر وحضارة.