النهار
بقلم - هلا الخباز
هل وُجدت العلاقات لتكون أبدية؟
هذا السؤال الوجودي إن صحّ التعبير هو ما يُؤرّق ليل الواقفين على أطلال الذكريات، وعتبات المبادئ العظمى.
من الذي ألزمنا بأن نحمل أشخاصًا في رحلتنا، حتى بعد أن اختلفت وجهاتنا؟
ومن الذي أقنعنا أن البقاء واجب، لمجرد أننا نحمل اللقب ذاته، أو لأننا كبرنا معًا تحت خيمة لعبٍ واحدة… لم تعد اليوم تتّسع لنا معاً؟
من قال إن علينا أن نعصر على أنفسنا ليمونة الصبر، ونحتمل ما لا يُحتمل، بحجّة العِشرة والأصل؟
في كل مرةٍ كنتُ أنوي فيها الابتعاد، أو حتى تخفيف حضوري في حياة أحدهم، لأننا ببساطة لم نعد نشبه بعضنا، ولم أعد أجد نفسي في تلك المساحة، ولم يعد هناك انسجام ولا حديث مشترك، كان ضميري يطرق بابي بقوة… يستحضر الذكريات، ويعيد عرضها كأنها حُجّة لا تُرد. تقول غادة السمان في هذا الموضع: "الذين نحبهم لا يرحلون… نحن فقط نكبر خارج دوائرهم."
لكن الذكريات، وإن بقيت، لا تعني أن الحاضر ما زال صالحًا.. ولا أن الأشخاص، رغم مكانتهم، ما زالوا "على مقاسنا"، أنا عالقة بين خطوةٍ تقترب، وريحٍ تدفعني للخلف، أقاوم..
لا لأنني لا أريد الرحيل، بل لأنني أخشى أن أكون جاحدة. حتى سمعت حديثاُ لطيفاُ يقول: “ليست كل العلاقات خُلقت لتكون أبدية “، وأستحضر مقولة لأحلام مستغانمي عن المواسم سأنقله بتصرف يعجبني: “هُناك مواسم للمفكرات الفارغة..
وللأيام المتشابهة البيضاء، هناك مواسم للحماقات.. وأخرى للندم، ومواسم للعشق وأخرى للألم.. هناك مواسم.. لا علاقة لها بالفصول “.. ومن عندي أضيف أن لكل فصل فاكهة ومشوار وصديق يليق فيه.
في علم النفس، لا تُبنى العلاقات على الثبات بقدر ما تُبنى على التغيّر، حيث تشير دراسات نظرية التعلّق (Attachment Theory) إلى أن الإنسان يسعى بطبيعته إلى الارتباط، لكن شكل هذا الارتباط يتبدّل مع مراحل العمر، وتجارب الحياة، ونضج الوعي.
كما تؤكد أبحاث حديثة في علم النفس الاجتماعي أن دوائر العلاقات لدى الإنسان تتغيّر كل بضع سنوات، وأن ما يقارب 50% من شبكة علاقاتنا تتبدّل خلال مراحل الانتقال الكبرى في حياتنا (كالعمل، أو التحوّل الفكري، أو التغيرات الشخصية العميقة).
بمعنى آخر: التغيّر في العلاقات ليس خيانة… بل طبيعة إنسانية.
ولكن لماذا نستمر رغم الألم؟ ونجبر أنفسنا على وجودهم في المحيط؟
يكمن السبب في الاعتياد والخوف من أن نوصم بقلة الأصل والجحود، لا بفعل الراحة أو الحب! فالدماغ البشري يميل إلى ما هو مألوف، حتى وإن كان مُرهقًا.
وهذا ما يُفسّره علماء النفس بما يُعرف بـ "الاستثمار العاطفي المتراكم" (Sunk Cost Fallacy)، حيث نشعر أننا ملزمون بالاستمرار في علاقة ما، فقط لأننا استثمرنا فيها وقتًا ومشاعر وذكريات.
فنقول لأنفسنا: "لا يمكن أن أترك… بعد كل هذا!"
لكن الحقيقة الأكثر هدوءً والأكثر قسوة هي: أن طول العلاقة لا يعني بالضرورة جودتها، فالناس فصول لا خيبات.. نوافذ لا مخارج طوارئ.
ترى الكاتبة والروائية الفرنسية سيمون دي بوفوار أن: " الارتباط الحقيقي لا يعني الامتلاك، بل أن نرافق الآخر في حريته "، لكننا كثيرًا ما نُحوّل العلاقات إلى مساحة امتلاك، لا مساحة نمو.
ربما لم يُخطئ أولئك الذين شبّهوا الناس بالفصول.
فبعضهم ربيعٌ، يأتي ليُزهر فينا شيئًا لم نكن نراه.. وبعضهم صيفٌ، يعلّمنا النضج تحت حرارة التجربة.
وبعضهم خريف سقط عنّا أوهامنا.. وبعضهم شتاءٌ، قاسٍ، لكنه ضروري لننضج.
لكن المشكلة ليست في رحيل الفصول.. بل في محاولتنا إبقاء الربيع حيًا في غير أوانه، لنبدع أحلام مستغانمي في وصف الحالة فتقول:" بعض العلاقات خُلقت لتُروى لا لتُعاش إلى الأبد ".
الوفاء… هل يعني البقاء؟
نحن نخلط كثيرًا بين الوفاء والبقاء، نظن أن الوفاء هو أن نبقى، مهما كلّف الأمر.. لكن الوفاء الحقيقي قد يكون في أن نحفظ الودّ، ونغادر بلطف، دون أن نشوّه ما كان جميلًا.
أن نقول:" شكرًا لما كنته في حياتي… لكنني لم أعد أنا الشخص ذاته".
فأقسى ما يمكن أن نفعله لأنفسنا وللآخرين… هو أن نستمر في علاقة لم تعد حيّة.
ليست كل العلاقات ربطت بخيط الحرير الأسطوري، وليست كلها خُلقت لتكون أبدية، بل خُلق بعضها ليعلّمنا، لا ليبقى، نحن نلتقي.. نتقاطع، لنغيّر بعضنا قليلًا.. ثم نكمل الطريق كلٌّ في مساره.
هذا لا ينقص من قيمة العلاقة، بل يمنحها معناها الحقيقي. فالنضج ليس في أن نحافظ على كل من مرّ بنا.. بل في أن نعرف من يستحق أن يبقى ومن يكفيه أن يكون ذكرى تطل علينا بين فترة وفترة لا أكثر.