النهار

٢٤ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مارس-٢٠٢٦       12650

بقلم - علي المالكي 

ليست القضية اليوم خلافًا سياسيًا عابرًا ولا مجرد نزاع يمكن تفسيره بمصالح متقاطعة أو حسابات مرحلية بل هي اختبار صريح للقيم وامتحان مكشوف للضمير. 
حين تُستهدف إيران ديار المسلمين بالصواريخ والمسيّرات وتُقصف الأحياء والمنشآت في لحظات يفترض أنها مواضع سكينة وعبادة فإن الحديث لم يعد عن سياسة بل عن سقوط أخلاقي مدوٍ لا يمكن تبريره بأي ذريعة.
إن ما يحدث يكشف حقيقة لا تقبل التجميل : هناك من تجاوز كل الخطوط لا حرمة لدين ولا اعتبار لدم ولا وفاء لجوار. 
والأخطر من ذلك ليس الفعل ذاته فحسب بل أولئك الذين اصطفوا خلف إيران وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا شهود زور على مرحلة تُكتب بمداد الألم. 
فمن يؤيد أو يبرر أو يلتزم الصمت المريب إنما يمنح الغطاء المعنوي لاستمرار هذه الانتهاكات ويشارك ولو بالصمت في تكريسها.
أي منطق هذا الذي يقبل أن تُقصف بلاد المسلمين ثم يُبحث عن الأعذار؟ 
وأي ضمير يسمح بتبرير استهداف الأبرياء تحت لافتات سياسية جوفاء؟ 
إن التناقض الصارخ بين الشعارات والممارسات لم يعد خافيًا على أحد ، فالدين الذي يُرفع كشعار تُنتهك أبسط مبادئه على أرض الواقع والقيم التي يُدّعى الدفاع عنها تُدهس مع كل صاروخ ينطلق ومع كل طائرة مسيّرة تعبر الحدود.
لقد أثبتت هذه الأحداث أن إيران لا ترى في الجوار إلا ساحة نفوذ ولا في الشعوب إلا أدوات ضغط ولا في الدين إلا غطاءً يُستخدم حين يخدم ويُهمل حين يتعارض مع الأجندة. 
وهذه ليست سياسة بل عبث منظم وانفلات لا يمتّ لأي منظومة أخلاقية بصلة.
أما المواقف الرمادية فلم تعد مقبولة. 
التاريخ لا يرحم المترددين ولا يعفي المتواطئين بالصمت. 
فإما موقف واضح ينحاز للحق وإما سقوط مدوٍ في سجل الخذلان. 
الشعوب اليوم أكثر وعيًا وأشد إدراكًا لحقيقة ما يجري ولن تنطلي عليها محاولات التزييف أو الالتفاف.
وفي خضم هذا المشهد تبقى حقيقة لا يمكن القفز عليها : لن يهدأ للخليج العربي بال ما دامت سياسات التوتر والتوسع وفرض النفوذ الإيراني تُدار بعقلية الصراع المفتوح .
فالأمن لا يُبنى بالصواريخ ولا تُفرض الهيمنة بالقوة ولا تُكسب الشرعية عبر تخويف الجوار. 
الاستقرار لا يتحقق إلا باحترام سيادة الدول وكفّ الأذى والتخلي عن سياسات التدخل التي أثقلت المنطقة بالصراعات.
إن الطريق إلى التهدئة واضح لكنه يتطلب شجاعة مختلفة : شجاعة الاعتراف بالخطأ وشجاعة التراجع عن مسارات التصعيد وشجاعة بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل لا على فرض الإرادة. 
وما دون ذلك لن يكون إلا إطالة لأمد الأزمات واستنزافًا مستمرًا لشعوب المنطقة.
في النهاية تبقى الحقيقة واضحة كالشمس : من يعتدي على الأوطان وينتهك حرمة الإنسان لا يمكن أن يكون حاملًا لقيم ولا ممثلًا لدين ولا شريكًا في مستقبل آمن. 
ومن يسانده أو يبرر له إنما يضع نفسه في ذات الخانة خانة لا يشرفها التاريخ ولا تغفر لها الشعوب.

@AASAA_999