النهار

٢٤ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مارس-٢٠٢٦       9240

بقلم - شموخ نهار الحربي 
عزّة النفس ليست كلمة تُقال، ولا شعارًا يُكتب، بل هي ذلك الشعور العميق الذي يسكن داخلك ويُرشدك في كل موقف دون أن تشعر. هي تلك اللحظة التي تقرر فيها أن تبتعد بصمت، لا لأنك ضعيف، بل لأنك أقوى من أن تبقى في مكان لا يُشبهك.

هي ليست عنادًا، ولا كبرياءً فارغًا، بل هي وعي. وعيك بقيمتك، ووعيك بما تستحق، ووعيك بأنك لست مجبرًا على تقبّل كل شيء فقط لأنك تحب، أو لأنك تعوّدت.  عزّة النفس  تبدأ حين تدرك أن محبتك لنفسك يجب أن تكون أصدق من محبتك للآخرين، وأن احترامك لذاتك أهم من أي علاقة قد تُهينك في الخفاء.

نحن لا نولد بعزّة نفس مكتملة، بل نتعلمها مع كل موقف كُسرنا فيه، ومع كل مرة سكتنا فيها رغم الألم، ومع كل لحظة شعرنا فيها أننا أعطينا أكثر مما ينبغي. هي تنمو فينا بصمت، تتشكل من خيباتنا، وتكبر من اختياراتنا الصعبة.

كم مرة تجاهلت شعورك فقط لتُرضي أحدهم؟ وكم مرة أقنعت نفسك أن الأمور “عادية” بينما قلبك كان يقول العكس؟ هنا تحديدًا تبدأ  عزّة النفس  بالظهور… عندما تتوقف عن تبرير ما يؤلمك، وعندما تقرر أن صوتك الداخلي يستحق أن يُسمع.

عزّة النفس لا تعني أن تعيش وحدك، ولا أن تُغلق قلبك، بل تعني أن تختار من يدخل حياتك بعناية، وأن تُغلق الباب حين يتحول الوجود إلى عبء. هي أن تُحب، لكن دون أن تُذيب نفسك، وأن تعطي، لكن دون أن تُهمل احتياجك.

الشخص العزيز بنفسه لا يصرخ ليُثبت قيمته، ولا يركض خلف الاهتمام، ولا يتوسل البقاء. هو ببساطة يعرف متى يكون ومتى يرحل. يعرف أن بعض العلاقات لا تستحق القتال، وأن بعض القلوب لا تتغير مهما حاولت.

وأصعب ما في عزّة النفس… أنها تجعلك ترى الحقيقة كما هي. لا تسمح لك بتجميل الأخطاء، ولا بتجاهل الإهمال، ولا بالعيش على أمل وهمي. تجعلك تختار الطريق الأصعب: أن تبتعد رغم الحب، وأن تصمت رغم رغبتك في الكلام، وأن تحافظ على نفسك حتى لو خسرت أشخاصًا كنت تظن أنك لا تستطيع العيش بدونهم.

لكن مع الوقت، تكتشف أن  عزّة النفس  لا تأخذ منك، بل تُعيدك لنفسك. تعيد لك هدوءك، كرامتك، ونظرتك لنفسك. تكتشف أنك لم تخسر حين ابتعدت، بل ربحت نفسك التي كانت تضيع بصمت.

عزّة النفس ليست قسوة، بل رحمة… رحمة بنفسك أولًا. أن لا تُجبرها على تحمّل ما لا يُحتمل، ولا تسمح لها أن تنكسر فقط لتُبقي أحدهم في حياتك. هي أن تقول: “يكفي” في الوقت الذي يخاف فيه الجميع من هذه الكلمة.

وفي النهاية، ستفهم أن أجمل شعور في العالم ليس أن يُحبك الجميع، بل أن تحب نفسك بما يكفي لتختارها دائمًا… دون تردد، ودون ندم.